خَير خِتام لأي إنسانٍ أنْ يُصلَّى عليه قبل مواراة جَسَدِه الثَّرى في الحرم المَكِّي، وأَنْ يُدفَن في "المعلاة" إلى جِوَارِ الأطهارِ من صَحابة سَيّد الأنامِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلَّم) وأتباعه وأقاربه. هذا ما حصلَ منذ أيامٍ قلائلَ بتشريف فقيدِنا الإعلاميّ الكبير هاني نَقْشبندي، بعد مسيرة إنسانيَّة وعمليَّة عطرة، قدّم خلالها الكثير من المواقف الجليلة التي وثقتها ذاكرةُ صَحْبِهِ وخُلته ومُحبِّيهِ، ومَنْ تعاملَ معَهُ، وعَرَفَ فضلَهُ ودَمَاثة خُلُقه وحُبِّه لمَنْ حوله.
ومن عَجَبٍ أنْ يكونَ المَولدُ والمُنتهى للراحل في واحدةٍ من أطيب البقاعِ الطاهرة، بأرضٍ احتضنَتْ قبلَه أشرَفَ الخَلق؛ المصطفى (صلَّى الله عليه وسلّم) بأحدِ أحياء الحاضرةِ الأولى للثقافة الإسلاميَّة، القريبةِ من المسجد النبويّ الشريف، وهو ما يُعَدُّ بُشرى خيرٍ لحُسن الخاتمة، بأنْ تكونَ الأرواحُ الزكيَّةُ بعضها إلى جوار بعضٍ.
كان الفقيدُ الراحلُ فارسًا في مِحراب حِرْفةِ القلم، عَرف طريق النجاح مُبكراً في مسيرةٍ بدأها قبل نحوِ أربعة عقودٍ إلا عامًا تقريبًا، وتبوأ منصبَ رئاسةِ تحريرِ المجلَّتَين الدَّوليتين "سيدتي والمجلة"، الشقيقتين في الشركة السعوديَّة للأبحاث والنشر، أكبرِ مؤسَّسةٍ في الوطن العربي.
وبفِكْر الكبار وحكمتهم، وروح الشباب وحَماسته، علا بالمطبوعتين وغرَّد بهما بعيدًا في سماء الإعلام، وربما كان متفرِّدًا من دون منافسٍ وقتئذٍ، وحقَّق انتشارًا واسعًا بالمجلَّتَيْنِ، وهو غايةُ ما ترنو إليه أيُّ قيادةٍ صَحافية لَامعة، وهذا ما جعله يحظى بإشادة الأمير الراحلِ أحمدِ بْنِ سلمانَ رئيسِ المؤسسة.
كان صائدًا للأفكار، مُطوِّرًا لها بعقلية المُجدِّد في بلاط صاحبة الجلالة، وهو ما ميَّزه عمَّن سواه؛ إذ كان ذهنُه مُتقدًا على الدوام، فقد استحدث أفكارًا وأبوابًا جديدة طوالَ عمله في المجلتين. ومعَ أنَّ دائرة التغطية اتسعتْ، وكبُر حجمُ طاقم العمل، فإنه كان قريبًا من الحَدث، وكأنه في قلب الميدان، يحمل قلمه، ويمسك بدفتره يدِّون وقائع ما يجري على الساحة، كما لو كان شريكًا للمُحرِّر في التغطية، إضافةً إلى تمتُّعِه بصِلةٍ طيبة بكل زملائه، يُحسنُ التقديرَ لمن أجاد، وهذا الأمر هو الذي أكسبه العمل بروح الفريق.
طالعْنا شهاداتٍ بالجُملة على منصات التواصل الاجتماعي تمتدح الراحل، وتحكي مواقفَ مُؤثِّرة تدل إلى طِيب معدِن الفقيد، وبراءته في التعاطي مع كل مَنْ تجمعُه علاقةٌ به أو يُقابله للوهلة الأولى في جلسة عملٍ أو لقاء وديٍّ، فقد نعَوْهُ بكلماتهم التي خرجت من القلب، وقد لمسنا فيها جميعًا صِدق المشاعر، وهم يُودِّعون زميلًا وقائدًا صحافيًا قلَّما يجود الزمان بمثله.
يُمكننا القول، إنَّ الكاتب والإعلامي الكبير هاني نقشبندي، الذي سبقنا إلى دار الحق، صَنع مدرسةً صحافيةً قوامها المهنية والعمل الدؤوبُ الجادُّ، وفق رؤية وطنيَّة تجعل كل العاملين فيها جنودًا في خدمة الكلمة والوطن وإعلاء شأنه فوق كل اعتبار؛ فبعد نجاحِه الصحافي اللافت، صَدح صوتُه على الشاشات مُقدمًا لبرنامج "حوار مع هاني"، والذي أبدع فيه وتألَّق، وترك إرثًا حضاريًا ما زال يعود إليه المستمعون كلما حنُّوا إلى مضمونٍ إعلاميٍّ رصين وذي لغةٍ مُعتدلة لمُقدِّم منفتحٍ على مختلف الثقافات.
وكانت آخر محطاته الإعلاميَّة عبر قناة المَشهد؛ ذلك المشروع الوليد حديثًا في دُبي؛ برنامج "هنواتي"، والذي بَدَأَهُ ولم يصل فيه إلى محطة النهاية، إذ رَحل عنه في منتصف مسيرته الناجحة بالبرنامج، بعدما ترك بصمة في محتواه لا تُخطئها عين، وأجرى حواراتٍ ثريَّةً مع شخصياتٍ لها ثقلُها في مجالات الحياة المختلفة، أبرزُها "رغد صدام حسين"، في لقاءٍ مُثمر تصدَّر حديث الشارع العربي وقتذاك.
وتنقَّل النقشبندي إعلاميًا رحَّالًا بين السعوديَّة - موطنه الأصلي - مارًّا ببريطانيا محرِّرًا بارزًا في صحيفة الشرق الأوسط، مُختتمًا مسيرتَه الحافلةَ بالعطاء في دولة الإمارات العربيَّة المتحدة على شاشة "المشهد"، وله صَولات وجولات في كثير من دول العالم، أَكسبته معارف واسعة، تجلَّتْ في كتاباته التي تميَّزت بالرَّصانة الممزوجة بأسلوبٍ رشيقٍ سَلس لا يُجهد قُراءه في استيعاب رسالته الكامنة بين حروف كلماته وجُمله الموجَّهة إليهم.
وبزغ نجمه أيضًا في عالم الرواية؛ إذ كانت باكورة إنتاجه الأدبي الأولى رواية "اختلاس" التي صدرت عام 2007 في بيروت، إلَّا أنها لم يُحالفها الحظ، فقد مُنِعَ نشرُها لسببٍ ما في عددٍ من الدول العربيَّة، ومعَ ذلك بِيعت نسخٌ كثيرة منها، وجرت إعادة طباعتها باللغة العربيَّة ستَّ مرات، إضافةً إلى ترجمتها إلى اللغة الروسيَّة.
وعندما نتطرَّق إلى إنسانية النقشبندي وحياته بعيداً من القلم والورقة والشاشة، فقد كان - عليه رحَماتُ ربِّهِ - قريبًا من بارئه، لم تَشغَلْه دنياه عن آخرته، فقد كان ذاكرًا للموت، مُستعدًا للقاء خَالقه، ينثر الخيرات في كل مكانٍ حلَّ به، ويُثمر أينما غُرِسَ، وهو ما أشارت إليه شهادات مَنْ زاملُوه على مدار مسيرته المهنية الطويلة المفعمة بالبذل والعطاء.
وأمَّا عن صِدق إحساسه، فالمواقف كثيرة وتدعو للعَجب، لعلَّنا نستشهد بثلاثةٍ منها؛ أوَّلُها أنَّه قد وَرد عن الراحل أن سبب تأخُّره في الزواج يعود إلى خَشيته من أن يُباغتَه الموت فجأةً، مع أنّه كان بكامل صحته وعافيته، إذ لا يحب أن يعيش ابنه يتيمًا كما عاش هو بعدما فَقَدَ والده في سنٍ مبكّرة، وها هو قد صَدق في إحساسه، ليُكتبَ على "فارس" حياةً كحياة أبيه، وحيدًا يُصارع مصيرَه بمفرده.
ثاني هذه المواقفِ كان إحساسُه بقُرب الرحيل؛ فقد طَار من دُبي - مَقرِّ عمله - إلى بلجيكا، حيث يُقيم ابنه الوحيد "فارس" مع والدته، وكأنه كان ذاهبًا لوداعهما من دون أن يدري، وعاد إلى دبي، وما هي إلَّا سُويعاتٌ حتى حان أجلُه وارتقت روحه إلى بارئها، فكانت نهايةٌ تُطابق مُسمَّى روايته "ليلة واحدة في دبي"، مع تفاصيل أيامه الأخيرة، فقد وافته المنيَّة بعد ليلة واحدة له في دبي عقبَ عودته من بلجيكا.
ونحن نتحدَّث عن أديبٍ مُبدعٍ وصحافيٍّ وإعلاميٍّ ماهر مُفوَّهٍ، جديرٌ بنا أن نوجِّه التحية والتقدير لقيادة مملكتنا الرشيدة ممثلةً في خادم الحرمين الشريفين، وولي العهد، اللذين يدعمان أبناء الوطن في كل المجالات، وهو ما حدث مع "نقشبندي"، الذي أدى رسالته كما ينبغي في خدمة وطنه؛ فقد تولَّت سفارة خادم الحرمين الشريفين في دولة الإمارات العربيَّة الشقيقة كامل إجراءات ترحيل جثمان الراحل من دبي إلى مثواه الأخير في مكة المكرَّمة، في حضور أفراد أسرته وبعض أحبائه وزملائه.
ولا يفوتني هنا أن أَذكر آخر ما كتبه الراحل على حسابه عبر منصة "إكس"، قبل أقلَّ من 24 ساعة على رحيله: "أكثر ما جاءتني من تهنئة باليوم الوطني السعودي، كانت من غير سعوديين... هم مقيمون في البلد منذ عقودٍ... ما يعني أن المواطنة الحقيقية هي في الحُبِّ والانتماء لا في الهُوية فقط". وهذه كلمات تُعبِّر عن وطنية النقشبندي المُتجذِّرة في أعماقه وشرايينه، وحُبِّه الخالص للمملكة أرضًا وقيادةً.
رَحل الفقيدُ في هدوءٍ ومن دون ضجيجٍ، وغادر خفيفًا من دون أن يُثقلَ على أحدٍ بعلِّة أصابتْه أو مرضٍ جعله طريح الفراش، فهنيئًا له هذا الختام، وهنيئًا له حُب الناس في كل الأقطار العربيَّة، فقد تحوَّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى سرادِق عزاء وبَرْقيات رثاء في فقيد الصحافة السعوديَّة والعربيَّة، فإلى اللقاء يا فارس الكلمة الفصيح.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
فن ومشاهير
6/10/2026 12:05:00 PM
أسقط هواجه الشخصية على حياة السيدة فيروز...
موضة وجمال
6/8/2026 2:13:00 PM
كما خطف طفلها سيليو جونيور الأنظار في إحدى اللقطات بملابس أطفال من تصميم جدّه إيلي صعب!
كرة قدم
2/15/2026 5:38:00 PM
الأهلي المصري يحسم صدارة ترتيب المجموعة الثانية في دوري أبطال أفريقيا بعد تعادله مع الجيش الملكي المغربي من دون أهداف
نبض