أيّ مصير ينتظر حرب أوكرانيا في ظلّ التوتّر بين كييف ووارسو؟
فاجأت بولندا - خلال الأيام القليلة الماضية - المتابعين والمعنيين بالحرب الروسية الأوكرانية بقرارها الذي يقضي بالتوقف عن إمداد أوكرانيا بالسلاح والمساعدات العسكرية، والتوجه داخلياً نحو تعزيز قدراتها العسكرية الخاصة، كما اتخذت - في الوقت ذاته - قرارها التوقف عن استيراد الحبوب والمنتجات الزراعية الأوكرانية الأخرى
فاجأت بولندا - خلال الأيام القليلة الماضية - المتابعين والمعنيين بالحرب الروسية الأوكرانية بقرارها الذي يقضي بالتوقف عن إمداد أوكرانيا بالسلاح والمساعدات العسكرية، والتوجه داخلياً نحو تعزيز قدراتها العسكرية الخاصة، كما اتخذت - في الوقت ذاته - قرارها التوقف عن استيراد الحبوب والمنتجات الزراعية الأوكرانية الأخرى (ربما حفاظاً على إنتاجها المحلي منها، كما أعلنت، أو ربما نتيجة يقظةٍ مفاجئة للحلم البولندي في استعادة ما استقطعه الاتحاد السوفياتي السابق من أراضيها في غرب أوكرانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الاحتمال الذي يؤكده حديث سابق للرئيس الروسي بوتين في إحدى جلسات مجلس الأمن الدولي اتهم فيه بولندا بالتآمر تحت مظلة حلف الناتو للسيطرة على الجزء الغربي من أوكرانيا، مذكراً وارسو بحدودها التي كانت قبل الحرب العالمية الثانية) الأمر الذي يُعد - من جهةٍ - منعطفاً استراتيجياً خطيراً له تبعاتُهُ الأخطر على قدرة كييف في مواجهة موسكو في إطار حربهما المشتعلة للعام الثاني على التوالي ويفتح - من جهةٍ أخرى - نافذة التساؤلات بشأن مدى فاعلية الدعم الغربي لأوكرانيا – خلال تلك الحرب - ذلك الدعم الذي تمثل بولندا معبره الرئيس.
ولعل أهم ما يمكن التمهيد به لقراءة أثر القرار البولندي المشار إليه على قدرات أطراف الحرب في أوكرانيا هو الإشارة مجدداً إلى أهم أسباب القرار والظروف التي تحيط به؛ إذْ ثمة أسباب أخرى غير تلك المشار إليها، في مقدمتها عملية الانتخابات المقرر إجراؤها في بولندا الشهر المقبل، والتي يريد - في إطارها - حزب القانون والعدالة الحاكم هناك مغازلة أصوات المزارعين البولنديين الذين لا يريدون الحبوب الأوكرانية في بلادهم حماية لإنتاجهم من تلك الحبوب من الكساد وتردي الأسعار ونحو ذلك، وكذلك مغازلة الأصوات الأخرى المنادية بأهمية إعادة النظر في ملف الهجرة وملف مساعدة أوكرانيا. هذا عن أسباب التغير في الموقف البولندي تجاه أوكرانيا، أمّا بشأن التراجع المؤكد لحظوظ كييف من القدرات العسكرية والاقتصادية جراء تخلي وارسو عسكرياً عنها، فإن حجم ذلك التراجع يمكن الاستدلال إليه من خلال الوقوف على مدى ما كانت توفره بولندا لجارتها أوكرانيا من دعم جيوسياسي وعسكري منذ بدء الحرب بين الأخيرة وروسيا. فقد أعلنت بولندا في الأيام الأولى للحرب موقفها الأكثر تشدداً ضد موسكو من بين المواقف الأوروبية الأخرى؛ إذْ تحمَّستْ - في حينها - لفَرْضِ مزيدٍ من العقوبات عليها، مُتخذةً قرارَها منذ بَدْءِ الحَرْبِ بالوقوف حليفاً استراتيجياً للأوكرانيين؛ إذ كانت في طليعة التحركات الميدانية الداعمة لكييف كما شكلت الممر الرئيس الآمن لمرور الدعم العسكري الغربي لها، كما كانت في الآن نفسه المعبر الرئيس لمرور اللاجئين الأوكرانيين الهاربين من جحيم الحرب، فضلاً عن قيامها بإيواء نحو مليون وستمئة ألف لاجئ أوكراني قدمت لهم وراسو الدعم والمساندة الحكومية المصاحبة لعملية الإيواء؛ من خلال التوسع في برامج الدمج المجتمعي وتوفير الفرص التعليمية والوظيفية لهم؛ إذْ أشارت تقارير معنية صدرت بعد نحو ثمانية أشهر من بدء الحرب في أوكرانيا، أنّ وارسو أنفقت أكثر من 8 مليارات يورو (وهو الرقم الأعلى بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD) لمساعدة هؤلاء اللاجئين. كما اقترحت وراسو – منذالأيام الأولى للحرب - وضع طائرتها الميغ 29 رهن تصرف القاعدة العسكرية الأميركية في ألمانيا لنقلها إلى كييف (الأمر الذي رفضَهُ حلف الناتو، ورفضته ألمانيا بشدة)، بل لم يقف الأمر عند ذلك الحد؛ إذْ أعربت في مستهل تلك الحرب عن استعدادها لاستضافة السلاح النووي الأميركي لردع روسيا.
وكان لوارسو منذ بداية الحرب الأوكرانية السبق - بالتعاون مع سلوفينيا وجمهورية التشيك - في التخطيط الذي استهدف محاصرة روسيا وفرض حالة من العزلة والخناق عليها عبر إجراءات عدة، كان من بينها العمل على منع الاقتصاد الروسي من تجاوز آثار العقوبات الغربية، وذلك بفصل جميع البنوك الروسية عن نظام "سويفت" المالي العالمي.
ولعل من أكبر الخسائر الاستراتيجية والعسكرية التي تنتظر أوكرانيا جراء خسارتها دعم بولندا في الحرب، هو خسارتها العمق الاستراتيجي الآمن للأوكرانيين (بعيداً من مركز العمليات الحربية) المتمثل في الشريط الحدودي الآمن الممتد بينهما بطول 529 كيلومتراً، ذلك الشريط الحدودي الذي يقع ضمن منظومة جغرافية جعلت من بولندا بوابةً للحضور الغربي الداعم لكييف ومركزاً لتحركاته العسكرية في الحرب، وموطئاً لأقدام الناتو في دول أوروبا الشرقية.
أمّا بشأن الأثر المحتمل للموقف البولندي على فاعلية الدعم الغربي لكييف، ومن ثم على مجريات الحرب، فلعل أهم ما يقاس به ذلك الأثر هو ما تمت الإشارة إليه بشأن الموقع الجغرافي لبولندا ودوره في منحها الأهمية الاستراتيجية والعسكرية لكييف ولحلف الناتو على حد سواء، وما قدمته وارسو لدول الحلف وللغرب في إطار مساعدتهم لأوكرانيا ودعمها.
وهكذا يمكن القول في إطار الحديث عن استقراء مستقبل الحرب في أوكرانيا - في ضوء المؤشرات السابقة - أن ميزان القدرة والتفوق العسكري بدأ دورته مجدداً في الميل السريع باتجاه موسكو التي تراهن على عامل الوقت ونفاد صبر الداعمين الغربيين لكييف، عاجلاً أو آجلاً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
فن ومشاهير
6/10/2026 12:05:00 PM
أسقط هواجه الشخصية على حياة السيدة فيروز...
موضة وجمال
6/8/2026 2:13:00 PM
كما خطف طفلها سيليو جونيور الأنظار في إحدى اللقطات بملابس أطفال من تصميم جدّه إيلي صعب!
كرة قدم
2/15/2026 5:38:00 PM
الأهلي المصري يحسم صدارة ترتيب المجموعة الثانية في دوري أبطال أفريقيا بعد تعادله مع الجيش الملكي المغربي من دون أهداف
نبض