الانقلابات الأفريقيّة.. بين فكّي البراءة والإدانة!
مَنْ استيقظ مُبكِّرًا بات حَاكمًا لبلده.. مقولة قديمة صَدحت في سماء أفريقيا مُجدَّدًا؛ لتشرح حال عددٍ من دولها التي غَلبت عليها الانقلابات العسكريَّة أخيرا، فقد شهدت القارة السَّمراء ما معدَّله 4 انقلابات سنوية؛ من بينها ما كُتب له النجاح، وتمَّت إطاحة برأس نظام الحُكم وحاشيته، وأخرى كان مصيرها الفشل الذي خطَّ بمِداده قصة النهاية لمن طَمع في السُّلطة بطريقٍ غير شرعيٍّ مُخضَّبٍ بالدماء، يقود إلى فوضى عارمة، وأعمال شغب تُودي بحياة آلاف الأبرياء.
مَنْ استيقظ مُبكِّرًا بات حاكمًا لبلده.. مقولة قديمة صَدحت في سماء أفريقيا مُجدَّدًا؛ لتشرح حال عدد من دولها التي غَلبت عليها الانقلابات العسكريّة أخيرًا، فقد شهدت القارة السَّمراء ما معدَّله 4 انقلابات سنوية؛ من بينها ما كُتب له النجاح، وتمَّت إطاحة رأس نظام الحُكم وحاشيته، وأخرى كان مصيرها الفشل الذي خطَّ بمِداده قصة النهاية لمن طَمع في السُّلطة بطريق غير شرعيّ مُخضَّب بالدماء، يقود إلى فوضى عارمة، وأعمال شغب تودي بحياة آلاف الأبرياء.
المُتابع للتسلسل التدريجي لهذه الانقلابات التي حدثت منذ بداية العقد الحالي، يلحظ أن شرارتها الأولى انطلقت من مالي؛ عندما قام عدد من قادة الجيش بزعامة أسيمي غويتا، في آب (أغسطس) 2020، بإطاحة الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، وكان الانقلاب استجابةً لاحتجاجات مناهضة للحكومة بسبب تردي الأوضاع الأمنية، وانتشار الفساد، وتمّ إسناد السّلطة إلى رئيس موقت، قبل أن يتم الخلاف معه في أيار (مايو) 2021 والانقلاب عليه، وانتقال المهمات إلى نائبه غويتا. وفي نيسان (أبريل) 2021، استولى الجيش التشادي على السّلطة في البلاد؛ بعدما قَتل رئيسَ الدولة إدريس ديبي، في أرض المعركة، أثناء تفقُّده قوات تحارب المتمردين في الشمال.
أما في غينيا، فقد أطاحت القوات الخاصة فيها الرئيس ألفا كوندي في 5 أيلول (سبتمبر) 2021 نزولًا على رفضٍ شعبيّ تحوَّل أعمال شَغبٍ ضده، فقام على إثر ذلك بتعديل الدستور لتغيير القواعد التي تمنعه من الترشّح لولاية ثالثة، تلتها بوركينا فاسو التي شهدت هي الأخرى انقلابين؛ الأول عندما أطاح الجيش الرئيس روك كابوري، في كانون الثاني (يناير) 2022؛ بعدما وُجِّهت له تهمة الإخفاق في التصدّي لعنف متشددين إسلاميين، وبحلول أيلول من العام ذاته حدث انقلاب ثانٍ باستيلاء قائد المجلس العسكري الحالي الكابتن إبراهيم تراوري على مقاليد الحُكم.
وقد بدا مطلع عام 2023 هادئًا للغاية على القارة الأفريقية، خاليًا من عدوى الانقلابات، حتى بلغ منتصفه، ثم استيقظت أفريقيا بعده على انقلابين؛ أولهما كان في السادس والعشرين من تموز (يوليو الماضي)، عندما أزاح الحرس الرئاسي في النيجر، بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني، محمد بازوم - رئيس البلاد - الموالي لفرنسا، ولاقى هذا القرار العسكري ترحيبًا مدنيًا كبيرًا؛ لأنه ارتبط بالتخلّص من الهيمنة الفرنسية، ناهيك بما أعقب ذلك من مطالبة سفيرها بمغادرة البلاد، إلى جانب طرد سفراء 4 دول أخرى، والحديث عن وقف تصدير اليورانيوم وغيره من الموارد الطبيعية التي تحصل باريس عليها بأثمان زهيدة.
مع بزوغ فجر الثلاثين من آب، فتحت شعوب أفريقيا أعينها على انقلاب آخر طال دولة الغابون؛ عندما أقدم بريس كلوتير أوليغي نغويما - قائد الحرس الجمهوري - على إطاحة علي بونغو أونديمبا، الذي مكث في الحكم 14 عامًا؛ منذ أن شَغله خَلفًا لوالده عمر بونغو الذي قضى في قيادة البلاد أكثر من 40 عامًا؛ بدءًا من عام 1967 وحتى وفاته مطلع 2009، وقد كان الرئيس الغابوني الذي أُطيح أخيرًا، يُخطّط لنقل السّلطة إلى نجله، الذي قطع أشواطًا في عَالَم السياسة، وبدأت يده تسيطر على مفاصل مؤسسات الدولة الفاعلة والمؤثّرة في البلاد، كما كان يتم تأهيله أيضًا ليكون الجيل الثالث للعائلة في الحكم، الأمر الذي لاقى غضبًا شعبيًا في الأعوام الأخيرة، لا سيما في ظل مرض الرئيس المعزول علي بونغو الذي أبى أن يستسلم للوهن وظلَّ في مكانه؛ واجهةً لابنه وزوجته اللذين يقودان زمام الأمور على أرض الواقع، وهو ما أغضب الغابونيين الذين أتعبهم حال بلادهم المتردي، عامًا بعد عام، في ظل عمليات النهب المنظَّم والمُقنَّن لخيرات بلادهم الغنية بالنفط، والتي تُنتج قرابة 200 ألف برميل يوميًا، إلى جانب كونها عائمة على احتياطي قدره مليارا برميل من الذهب الأسود، وتصديرها كميات لا بأس بها من عناصر مهمة وحيوية كاليورانيوم الذي يُعدّ المادة الأساسية للأنشطة النووية السّلمية المُولِّدة للطاقة والعسكرية المُنتجة للقنابل النووية، وهو ما كان، وسيظل، مطمعًا في عين كبريات دول العالم الغربي.
وبنظرة فاحصة للشأن الأفريقي المُولَع بالانقلابات، خلال الثلاثة أعوام الأخيرة، نجد الأسباب مُشتركةً ومُتقاربةً إلى أبعد الحدود في كل الانقلابات السابقة؛ والتي من بينها انتشار الفساد وتوغله، والعمل على التوريث والإصرار عليه، ثمَّ محاولة الانفلات من تبعية الحليف غير الأمين، الذي بسط نفوذه بقوة على أراضي هذه الدول؛ من أجل نهب ثروات شعوبها الفقيرة، مقابل فتات الغذاء التي لا تكاد تكفي سد الحاجة اليومية منه، فالاستعمار لم ينسَ أهدافه يومًا، ولا ييد عن مطامعه المرسومة فيها سلفًا، وإن حاول تجميل صورته القبيحة لديها من آنٍ لآخر.
ورغم أن الغابون والنيجر خرجتا من عباءة المُستعمر الفرنسي، فإن الأخيرة ما زالت حاضرةً هناك بقوة؛ لأجل السيطرة على مقدّرات هذين البلدين الغنيين بمواردهما، بينما يعاني شعبا الدولتين الفقرَ المُدقع؛ إذ تعاني الغابون، العضو في منظمة أوبك، من بطالة قُدرِّت بنحو 40% بين صفوف شبابها، بينما ثلث الشعب تقريبًا في حالة عوز، وأيضًا الحال لا يختلف كثيرًا في النيجر، ثاني دول القارة إنتاجًا لليورانيوم، تلك المادة الشديدة الأهمية في السِّلم والحرب، والباهظة الأثمان الكثيرة الطلب عليها، بخاصة من الكبار.
تلقى الانقلابات الأفريقية التي حدثت ترحيبًا شعبيًا كبيرًا؛ لأن معظم قادتها من الشباب، إضافةً إلى أنها تُعلي شعار "التحرّر والتخلّص من الهيمنة الأوروبية"، لا سيما الفرنسية المتوغلة في أكثر من بلد أفريقيّ، وقد كانت كلمات الرئيس البوركيني الموقّت، إبراهيم تراوري، في القمة الأفريقية الروسية، خيرَ شاهد عليها؛ فقد ألقى تراوري خطابًا حماسيًا وصل صداه إلى عموم القارة تقريبًا شرح فيه كيفية التخلّص من التبعية، والتحرّر من الانصياع للدول الإمبريالية التي نهبت ثروات بلادهم وما شبعت طوال عشرات السنوات أو يزيد.
نعم؛ رأينا جميعًا هذا القائد العسكري الشاب يُناطح فرنسا ندًا بند، ويطرد قواتها من بلاده، ويُعلّق الاتفاق العسكري معها، بل امتد الأمر إلى أنه هدَّد مَنْ يُطالب أو يقوم بالتدخّل العسكري في النيجر؛ من أجل إعادة بازوم إلى الرئاسة، بأنه سيعتبره اعتداءً واضحًا وصريحًا على بوركينا فاسو، وسوف يكون على خط المواجهة.
لقد أصبحت الصورة الضبابية بالأمس واضحةً أمامنا وضوح الشمس اليوم؛ وكيف أن بعض شعوب القارة الأفريقية فاقت من غفلتها، وأدركت أن حقها مهضوم بين فكي فرنسا وغيرها من الدول الاستعمارية، ووجدت هذه الدول، ممثلةً في قادة الانقلاب بها، في روسيا نصيرًا وحليفًا يمكن أن تستند إليه في وجه فرنسا وحلفائها، فقد كانت أيدي الدب الروسي بيضاءَ في القارة ولم تتورّط مرة في حرب أو احتلال أو ما شابه، بل على العكس من ذلك كله؛ فقد ساعد الاتحاد السوفياتي (سابقًا) الكثير من دول القارة السمراء في نيل استقلالها، وما أخشاه أن تتحوّل دول عديدة في القارة إلى مسارح لحروب بالوكالة؛ أحد طرفيها فرنسا التي تسعى للحفاظ على مكتسباتها التاريخية القديمة من مستعمراتها السابقة، والآخر روسيا والصين، اللتين تبحثان عن أيد جديدة تضربان بها الهيمنة الغربية في القارة السمراء.
مُعطيات الانقلابات العسكرية في أفريقيا تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك، أن الأوضاع في القارة ما زالت ثريةً بأسباب نشاط الانقلابات التي تنمو وتظهر متى وُجد الفقر والظلم والفساد، وغياب العدالة في توزيع الثروات وعوائد الموارد، وتردي الوضع الأمني، وانعدام الاستقرار والسّلام النفسي للشعوب، واستمرار نهب خيرات البلاد، وانحسارها لمصلحة حاشية الحاكم وعِلية القوم، إلى جانب رغبة الحكّام في زيادة سنوات حكمهم، إضافةً إلى حرصهم على توريث السّلطة لأبنائهم من بعدهم.
إن الانقلابات الجارية في أفريقيا، من وجهة نظري، غير مُدانة؛ لأنها جاءت استجابةً لرغبة شعبية في أغلبها، لعدم اعتيادها من قديم الأزل على الحكم المدني، والذي أيضًا لم يفلح في غير مرة أُتيحت له؛ لكونه لم يُحسن استغلالها لسبب ما وسرعان ما لفظته الشعوب، والتجارب على ذلك عديدة وكثيرة، على عكس الدول الغربية التي يُقال عنها بأنها ذات أنظمة ديموقراطية، قَبلت الحكم المدني وارتضت به، بل وصلت الحال فيها إلى اعتلاء سيدات سدة الحكم لا يعرفن عن الزي العسكري إلا شكله المموَّه، وأحدثن نهضةً كبرى في بلدانهن برداء مدني.
تعمل الانقلابات العسكرية في أفريقيا على محاولة اقتلاع جذور الأنظمة التي كانت حاكمةً، بما يُعرف بالدولة العميقة، حيث يواجه أفرادها تهمًا عدّة؛ تتنوّع بين الخيانة العظمى والنصب والاحتيال والسرقة، وربما وصلت في بعض الأحيان إلى استغلال السّلطة والنفوذ للإتجار في المواد المخدرة وغيرها من الأعمال المشينة، حتى أن الدول العربية الواقعة في القارة الأفريقية كان لها نصيب من التغيير الجبري للحكام، وربما إطاحتهم، عبر ثورات وانتفاضات شعبية رعتها جيوش بلدانهم، وليس بانقلابات عسكرية بالمعنى المعروف، نتيجة انشقاق بين صفوف القادة أو طمعهم في الحكم، بل كانت شرارة الانطلاق في الدول العربية للشعوب، ثم التفت جيوشها حولها؛ من أجل حماية رغبتهم في التغيير بالطرق السّلمية، والتي لم تخرج عن هذا الطور إلا في السودان وليبيا.
قطعًا لن يكون انقلاب الغابون الأخير، فكما كانت هناك حركات للتحرّر من الاستعمار ومحاولة نيل الاستقلال، بدأت في النصف الأول من القرن العشرين، فهناك أيضًا محاولات مماثلة آخذة في النضج والتشكّل مستقبلًا، ولكن هذه المرة من أجل التحرّر من الهيمنة والتبعية للدول الإمبريالية التي تسطو على مقدراتها ومواردها؛ لأجل إفقار شعوبها وجعلهم في حاجة إليها، يتسوّلون منها الطعام والشراب.
ربما تكون الحوادث الواقعة حاليًا بداية النهاية لفترات الضباب التي خيّمت على شعوب القارة طويلًا، ما جعلها مرتعًا للأمراض والأوبئة والمجاعات، وقِبلة تحوّل نحو السّلام المجتمعي، وإلى شعوب تنتج غذاءها وتستغل ثرواتها في التنمية وتحسين مستوى حياة أبنائها، وتعويضهم عن سنوات الحرمان التي أدخلت القارة في نفق مظلم، وجعلت أقصى أحلام أبنائها البحث عن طريق آمن للهجرة إلى بلاد مطمئنة، يجدون فيها حياة هادئة، بعيدًا من أزيز طلقات الرصاص الغاشمة التي تسكن في أجساد هزيلة أنهكها الفقر والمرض.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
فن ومشاهير
6/10/2026 12:05:00 PM
أسقط هواجه الشخصية على حياة السيدة فيروز...
موضة وجمال
6/8/2026 2:13:00 PM
كما خطف طفلها سيليو جونيور الأنظار في إحدى اللقطات بملابس أطفال من تصميم جدّه إيلي صعب!
كرة قدم
2/15/2026 5:38:00 PM
الأهلي المصري يحسم صدارة ترتيب المجموعة الثانية في دوري أبطال أفريقيا بعد تعادله مع الجيش الملكي المغربي من دون أهداف
نبض