الحديث عن الصحافة اللّبنانية المهجريّة وعراقتها عبر التاريخ يحمل في طيّاته التواصل والامتداد اللذين مرّ بهما تاريخها، ويطرح التساؤلات حول القضايا الاغترابيّة التي عالجتها وآثارها.
حملت هذه الصحافة أبعاداً ثقافيّة ووطنيّة واكبت المراحل الأساسيّة المفصلية في تاريخ لبنان، وأبرزها ولادة دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول (سبتمبر) عام 1920، فكيف تناولت الصحافة اللّبنانيّة في المهجر هذا الحدث الكبير من خلال نماذج عن بعض هذه الصحف: "الهدى" و"مرآة الغرب" في أميركا الشمالية، و"الأهرام" في مصر و"الجريدة" في أميركا الجنوبية.
1. جريدة "الهدى" التي أصدرها نعّوم مكرزل في نيويورك عام 1898
واكبت بفرح إعلان دولة لبنان الكبير في عددها الصادر في الثاني من أيلول عام 1920، فنشرت في صفحتها الأولى تحت عنوان بلاغ الجنرال غورو: "تطوّرت المسألة السّورية بفعل ذلك البلاغ الذي أرسله الجنرال غورو إلى الأمير فيصل: إن جيشنا الذي حارب ولم يزل يحارب العصاة، لم تبدُ عليه مظاهر الضعف والوهن، فالحكومة الدمشقيّة مسؤولة لدى شعبها الذي وعده مؤتمر السلام في الحياة ورغد العيش تحت وصاية حكومتنا الفرنساويّة. لقد اعترفتم باحتياج الأمّة الشديد لاستشارة ومساعدة دولة عظيمة تنهض بها إلى الرقيّ بعد ما عانته من نير الأتراك وهذه الحرب العامّة من التأخير، وعليه فقد أثبتت الحكومة الفرنساويّة التي طلبتموها منتدبة عليكم باسم أمّتكم استعدادها للعالم أسره عن إمداد سوريا مادياً ومعنوياً بلا تفريق بين الملل والعناصر، وسوف يعلن المجلس السّوري تفاصيل هذه المساعدة التي أخذتها حكومتنا على عاتقها". وفي هذا البلاغ أيضاً يتوجّه إلى حكومة دمشق باللّوم على ما اقترفته ضد فرنسا التي تحاول المساعدة فيقول تحت ترويسة: "التدابير المتّخدة ضد فرنسا": "رفضت حكومة دمشق العملة السّورية التي أصدرها البنك السّوري لحساب فرنسا، فأحدث هذا العمل ضرراً عظيماً بمصالح البلاد، كما أنّها منعت إخراج الحنطة لبيروت وضواحيها...".
2. "مرآة الغرب" التي أصدرها نجيب دياب في نيويورك عام 1899، في عددها الصادر في أول أيلول عام 1920 تحت عنوان "فيصل في رومية". تشجب المقالة تصرّف الفرنسيّين في سوريا وسلطتهم العسكريّة ونفي أعضاء مجلس إدارة لبنان. "حمل البرق من رومية أن الأمير فيصل صرّح في حديث له مع مندوب جريدة المساجيرو الإيطاليّة أن السّوريين سوف لا يعترفون قط بشرعيّة احتلال الفرنسويين بلادهم، ولا بأي نوع من الوصاية أو الاستقلال الإداري، ولا يرضون بغير الاستقلال التام، وقد شجب تصرّف الفرنسويين في سوريا بلهجة شديدة. وقال إن تقرير البعثة الأميركيّة التي استفت السّوريين يدل إلى شعور السواد الأعظم من السّوريين، ومنهم قسم كبير من المسيحيين. إن السّوريين ليسوا ضد الفرنسويين وإنّما هم ضد سلطة الاحتلال العسكريّة الفرنسويّة". وقال أيضاً: "أما كون فرنسا حامية الطوائف المسيحيّة من تعصّب المسلمين فهو زعم قديم ولكن لا أساس له، فإن السلطة الفرنسويّة في بيروت بدلاً من ذلك جعلت غايتها التفريق بين المسيحيين والمسلمين الذين يعيشون كالإخوة وقد بذلوا جهدهم للتوفيق بين آمال الشعب ومصالح الفرنسويين في سوريا".
"سياسة الجنرال غورو معتمد فرنسا الأعلى في سوريا كانت معاكسة على خط مستقيم لحريّة سوريا وحدها بل لمبادئ الحريّة الشخصيّة كلّها. وإنّ الأحكام التي أصدرتها مجالس الفرنسويين العسكريّة أشد ظلماً وعدواناً من الأحكام التي صدرت في عهد جمال باشا الحاكم التركي، فإنّه على الأقل كان يستند إلى الشرائع ولو في الظاهر بينما الفرنسيون يحكمون بالإعدام، ويضبطون الأرزاق والبضائع من دون محاكمة أو إنذار سابق للمحكوم عليه بنوع التهمة المنسوبة إليه أو التي يجاري من أجلها. لقد حُكمَ على سبعة وثلاثين زعيماً بالموت بدعوى "أنّهم على اتفاق مع أعداء فرنسا وقد حكم عليهم جميعاً دون أن يُطلبوا للمحاكمة وفرّ من البلاد أربعمئة زعيم آخرون ولكن الحركة السّورية أكبر من أن يخنقها القتل أو العقوبات الأخرى".
3. جريدة "الأهرام" التي أسّسها بشارة وسليم تقلا الصحافيّان اللّبنانيّان في مصر في 27 كانون الأول/ديسمبر سنة 1875 تناولت موضوع إعلان لبنان الكبير في مقالات قليلة، إذ تحدّثت عن كيفيّة التحضير لإعلان دولة لبنان الكبير والتّدابير الّتي اتّخذت وكيف تزيّنت السّرايا القديمة وساحة البرج، كما ذكرت التّنظيمات والتّقسيمات الّتي ستكون بعد إعلان دولة لبنان الكبير، وتحدثت عن تعيين حكّام وطنيين بجانب المستشار الفرنسي وعن تعيين لجنة إداريّة تقوم بمهام المجلس النّيابي ريثما ينتخب المجلس النّيابي ويتولّى وضع القانون الأساسي ويشكّل محكمة التّميّيز، وأنّ الجندرمة هي المسؤولة عن أمن البلاد، وذلك تحت مقالة عنوانها "جبل لبنان: إعلان لبنان الكبير" التي وردت في عدد 13217 تاريخ 1 أيلول/سبتمبر 1920.
تناولت الأهرام أيضاً خطاب الجنرال غورو تحت عنوان "من كلّ نبع قطرة – لبنان الكبير – السّوريّون في مصر – فرسان كولوموس" عدد 13219، تاريخ 3 أيلول 1920 والّذي من خلاله أعرب الجنرال غورو عن تفائله (تفاؤله) بحسن مستقبل سوريا ولبنان، وطالب بإدخال الإصلاحات اللّازمة وأعرب عن نيّته تحسين أوضاع الأهالي.
أما في العدد 13219، تاريخ 3 أيلول 1920 وتحت عنوان "فرنسا ولبنان" فذكرت الأهرام أيضاً كتاب المسيو ميليران إلى رئيس الوفد اللّبناني الّذي أعرب عن شعوره بالسّرور والفائدة، وأنّ مطالب لبنان الخاصة تحقّقت بجعله متعتّعاً (بجعله متمتّعاً) بحدوده الطّبيعيّة وأنّ الدّستور اللّبناني سيكون مطابقاً للمقتضيات الجديدة للبنان الكبير.
وأخيراً، تضمّن العدد 13220، تاريخ 4 أيلول 1920 مقالة عنوانها "استقلال مصر واستقلال لبنان" تحدّثت فيها عن إعادة فرنسا سهول لبنان ومدنه وأراضيه وأنّها تعمل على إعلان الحكومة الوطنيّة المستقلّة في لبنان.
4. جريدة "الجريدة" التي أسّسها الدكتور خليل سعاده (1857 – 1934) في ساو باولو (سان باولو) في 5 آب/أغسطس 1920 واستمرّت لثلاث سنوات، عبّرت في مقالة "إلغاء مجلس إدارة لبنان" عن غضبها وبإسهاب عمّا يحصل، في العدد الرّابع تاريخ 2 أيلول 1920: "أنّ المجلس ألغي لعدم استطاعته القيام بوكالته، والحقيقة أن الخطوة الّتي لأجلها ألقي القبض على الأعضاء المنوّه عنهم لم تكن إلّا في سبيل القيام بوكالتهم وفي سبيل تحرير لبنان من محرّريه وإنقاذه من منقذيه الّذين برهنوا على عدم كفاءة لا مثيل لها في عهد الأتراك أنفسهم، وإذا فرضنا جدلًا أنّ أولئك الأعضاء خائنون لوطنهم وأنّهم قد أتوا أمرًا إلدّ فلماذا لا ينتخب محلّهم أعضاء آخرون من دون حلّ هذا المعهد الوحيد الدّال على بقاء شيء من الحرّية للبنان".
أبرز ما ورد في "استقلال لبنان الكبير" عدد 5 تاريخ 9 أيلول 1920: "من المآسي السّياسيّة ما يبكي ومنها ما يضحك ومنها ما يبكي ويضحك معًا، واستقلال لبنان الكبير من النّوع الأخير.
إنّ إعلان استقلال لبنان الكبير على ما جاءتنا به الأنباء البرقيّة منذ يومَين ليس إلّا فصلًا جديدًا من فصول الرّواية الهزليّة الّتي مثلتها فرنسا على مسرح وطننا منذ عقد الهدنة حتى السّاعة، فهو لم يغيّر شيئًا على الإطلاق في موقف لبنان السّياسيّ ولا في علاقته مع الدّولة المحتلّة ولا في شكل سيادته على نفسه، والفرق الوحيد بين لبنان الصّغير ولبنان الكبير هو أنّه قد أضيف إلى عبيد الأوّل بقيّة عبيد الثّاني، وبعبارة أخرى أنّ الحظيرة الفرنسيّة في لبنان صارت تسع الآن قطعانًا بشريّة أكثر من ذي قبل".
هل يمكننا بعد أكثر من مئة عام ومن خلال ما قدّمته هذه الصحف من معلومات التي تعكس الصراع العقائدي الذي كان سائداً قبل ولادة الوطن، أن نفهم أو نتفّهم أو نرفض أو نقبل إشكاليّات التركيبات الاجتماعيّة ذات الأبعاد السّياسيّة التي يشهدها لبنان اليوم، والدور الذي تقوم به صحافته في تظهير الانقسامات والخلافات الموروثة خدمةً لأجندات أجنبيّة؟
إنّ مشروع ولادة وطن قومي لبناني محض تجاوزت ارتداداته إطاره الزمني والمكاني إلى يومنا هذا، حملته الصحافة المهجريّة آنذاك قضايا وطنيّة اتّفقت على النزعة إلى التحرّر، لكنّها كانت ضحيّة الخيارات البديلة التي حملت تجاذبات دوليّة بقي مفهوم "لبنان الوطن" الحلقة الأضعف فيه...
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض