رحّب البيت الأبيض برئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، خلال زيارته واشنطن أخيراً، بشكل استثنائي. زعماء قليلون نالوا مثل هذا الترحيب الحافل، أقام له الرئيس الأميركي جو بايدن مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض، وألقى مودي كلمة أمام جلسة مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ، وهو شرفٌ كان يُمنح لأمثال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل، وأجرى لقاءات مع رؤساء كبريات الشركات الأميركية، ونجح فى تقديم نفسه نموذجاً لحاكم غير فاسد لدولة ديموقراطية كبيرة من الجنوب الناهض، يرتدي قميصاً بسيطاً من القطن، ولا يأكل إلاً نادراً... فماذا وراء الأكمّة؟.
الغائب الحاضر!
اجتهدت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في تتبّع أسرار الحفاوة الاستثنائية من جانب الإدارة الأميركية برئيس الوزراء الهندي؛ وقالت إنّ بايدن نقل الاحتفاء بمودي إلى مرحلة جديدة، مشيرة إلى أنّ هذه الحفاوة لا علاقة لها بسياسات مودي، لكنها تتصل اتصالاً وثيقاً بالموقع الجغرافي للهند؛ فلا دولة أخرى لديها الحجم أو القدرة على العمل كقوة موازنة للصين مثل الهند.
في الواقع، لم تكن الشراكة بين واشنطن ونيودلهي بهذا العمق من قبل، لكن قادة أميركا– الجمهوريين والديمقراطيين– يرغبون بذلك؛ حتى قال جون كيربي المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، "إنّه لا شريك أكثر أهمية من الهند في ما يتعلق الأمر بقضايا مثل الذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد والطاقة النظيفة وأشباه الموصلات وتغيّر المناخ"، مؤكّداً أنّ "الهند ستكون شريكاً استراتيجياً لعقود مقبلة".
تعتبر أميركا الهند حليفاً لا غنى عنه، في التنافس المتزايد مع الصين، بخاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ترى الدولتان، في الصين تهديداً رئيسياً، في إطار الصراع المحتدم على مواقع التأثير والنفوذ في المسرح الدولي، تشتركان في خوف واقعي من الصين، والتقارب بينهما هو الشيء المنطقي. بالنسبة لواشنطن، تقدّم نيودلهي توازناً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً استراتيجياً لقوة بكين، ومحاولة احتوائها بشتى السبل، فيما تسعى الهند إلى زيادة نفوذها على الساحة العالمية، ويتطلع مودي إلى الاستفادة من التكنولوجيا والثقل والحضور الأميركي. الصين إذاً هي الغائب الحاضر أو الضلع الثالث في مثلث العلاقة بين الدول الثلاث. ففي حين تسعى إدارة بايدن لمنع الصين من الحصول على رقائق متقدّمة وتقنيات أخرى، تعزّز صناعة أشباه الموصلات في الهند- وفقاً لوكالة "بلومبرغ"، جاذبية الهند كحليف لأميركا، تستند كذلك إلى قدراتها الاقتصادية، فهي بالفعل خامس أكبر شركة في العالم، وفقاً لمجلة "ذا إيكونوميست" البريطانية.
بالفعل، باتت الهند أسرع اقتصادات العالم نمواً، منذ عام 2018 بنحو 7.3%، كان من المتوقع أن يرتفع إلى 7.7% عام 2021، برغم بعض المشكلات، وفي 2018، جاء اقتصاد الهند في المرتبة السابعة كأكبر اقتصاد عالمياً، بفضل نموّه المتسارع وحجم الإنتاج والتصدير، لتحتل مكانة متقدّمة، بجانب الصين في قيادة اقتصاد آسيا. وبحسب معيار القوة الشرائية، بلغ الناتج المحلي للهند 9.45 تريليونات دولار في عام 2017، لتحتل المرتبة الثالثة خلف الصين (23.16 تريليون دولار)، والولايات المتحدة (19.39 تريليون دولار). ويتوقع بنك "غولدمان ساكس" تفوّق الناتج المحلي الإجمالي للهند على منطقة اليورو فى 2051 وأميركا بحلول 2075، وهذا يفترض نمواً 5.8% للأعوام الخمسة المقبلة، و4.6% ما بعد 2030.
قوة عالمية
وعد رئيس الوزراء الهندي بنموٍ اقتصادي من شأنه أن يجعل بلاده إحدى ركائز الاقتصاد العالمي، على قدم المساواة مع أميركا أو الصين أو الاتحاد الأوروبي؛ يرى مودي أنّ اقتصاد الهند في طور ازدهار، نتيجة قوتها العاملة الشابة وسياستها الصناعية القوية والفرص التي يوفّرها الحذر المفاجئ من جانب الشركات الغربية تجاه التنين الصيني، لذلك تلهث نيودلهي لتوفير قاعدة بشرية وتقنية، ومراكز أبحاث وتصنيع وزراعة وخدمات وبنية تحتية متطورة، كما تحوز أسلحة نووية، تعدّ عاملاً جوهرياً في تصنيفها كقوة عالمية صاعدة.
كثيرٌ من رجال الأعمال الأميركيين مقتنعون بقدرات الهند المتنامية. أوضح رئيس شركة "أبل" تيم كوك، أنّ ديناميكية السوق والحيوية في الهند لا تُصدّق. وعقب لقاء جمعه مع مودي، قال إيلون ماسك رئيس شركة "تسلا": "كان لقاءً رائعاً، أنا متحمّس للغاية بشأن مستقبل الهند... أعتقد أنّه يُعوّل عليها أكثر من أي دولة كبيرة في العالم".
وبينما تؤسس شركة "ميكرون" الأميركية مصنعاً لأشباه الموصلات بقيمة مليار دولار، توصلت أيضاً دراسة لصندوق النقد الدولي، في نيسان (أبريل) الماضي، إلى أنّ الهند ستكون أحد الأماكن القليلة التي يمكن الاستفادة منها إذا أُعيد تشكيل سلاسل التوريد، على جانبي الانقسام الجيوسياسي. لذلك اتفقت أميركا والهند على إنهاء 6 نزاعات تجارية عالقة بينهما في منظمة التجارة العالمية. ويتمدّد التعاون التكنولوجي بين البلدين إلى التعاون الدفاعي، وهنا يظهر طرف ثالث هو إسرائيل، باعتبارها مزوداً رئيسياً للهند بالتكنولوجيا العسكرية.
تُعدّ الهند أحد الأقطاب الصاعدة التي لها دور استراتيجي في إقليم آسيا– الباسيفيك، وتسعى لتعزيز مكانتها كإحدى القوى المؤثرة في صياغة النظام الدولي، ولا شك في أنّ علاقاتها الجيدة مع واشنطن واستثمارها قلق الغرب من الصعود الصيني، إحدى سبل بلوغ هذا الهدف. وقد قال رئيس الوزراء البريطاني، ريشي سوناك، على هامش قمة مجموعة السبع في اليابان، إنّ الصين هي التحدّي الأكبر في عصرنا للأمن والازدهار العالميين؛ إنّها تزداد سلطوية في الداخل وتوسّع نفوذها على المستوى الخارجي.
خلافات عديدة
تبدو العوامل المحفّزة للتعاون الأميركي- الهندي كثيرة ومتنوعة، لكن الطريق ليس مفروشاً بالورود. تشكّل علاقة الهند بكل من باكستان والولايات المتحدة والصين، عاملاً حاسماً في تهيئة الظروف الملائمة لتقوية الاقتصاد الهندي أو إضعافه، ومن ثمّ التأثير في موقع الهند كقوة صاعدة، لهذا تبني شراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة والصين وروسيا (ضمن مجموعة بريكس) واليابان والاتحاد الأوروبي ودول الخليج وعدم الإنحياز... إنّ صعود القوى في النظام الدولي عملية معقّدة تشتمل على تنامي مختلف مقوّمات القوة الخاصة بالدولة وتفاعلها مع إرادة النظام السياسي من جهة، ومع معطيات السياقين الإقليمي والدولي لهذا الصعود من جهة أخرى.
صحيحٌ أنّ الهند وأميركا أكبر ديموقراطيتين في العالم، لكن ذلك لم يمنع نشوب خلافات عديدة بينهما على امتداد أكثر من ثلاثة أرباع القرن. كل الفرضيات العلمية تقول إنّ النظام الدولي ليس حالة ثابتة، بل ديناميكية ينظّمها العديد من التفاعلات بين الوحدات الدولية، حيث يغلب على هذه العلاقات طابع التداول بين القوى، وتحوّل تمركزها من الغرب إلى الشرق تدريجياً؛ الأمر الذي يثبت وجود مسار انتقالي للزعامة من الدول الغربية إلى البلدان الشرقية الصاعدة، لقدرتها على التكيّف وجذب الاستثمارات واستيعاب التكنولوجيا، ما يجعلها ذات تأثير اقتصادي وسياسي في العلاقات الدولية، من خلال مزج عناصر القوتين الصلبة والناعمة، بطريقة تضمن تدعيم تحقيق الأهداف بكفاءة وفعالية.
إنّ اشتراك الهند مع الصين وروسيا في عضوية تكتل "بريكس"- وهو تكتل يحاول فرملة الهيمنة الأميركية الأحادية، تشكيل نظام دولي متعدّد الأقطاب- ربما يحمل نوعاً من تضارب الرؤى والمصالح والمشاريع بين نيودلهي وواشنطن، فالهند أكثر حزماً تجاه الصين وتجاوزتها في عدد السكان أخيراً، لكنها تعارض بالقدر نفسه قيادة أميركا لنظام عالمي أحادي القطب. إضافة إلى أنّ الهند لا تزال تعاني مشكلات خطيرة، كارتفاع نسبة الفقر، وانخفاض إنتاجية العامل، قياساً إلى الصين وأميركا، أما الأخطر، فهو عجزها، حتى الآن، عن إيجاد صيغة مجتمعية تحمي مسلميها من التعصّب الهندوسي، ما يحول دون ظهور الهند دولة قوية مستقرة ذات دور عالمي.
وبرغم كل ما سبق؛ فإنّ الاحتفاء الشديد بمودي هو دلالة كاشفة عن رغبة الأميركان في اللعب بالفيل الهندي على رقعة التنين الصيني؛ اغتناماً لرغبة الهنود في الصعود على "الظهر الأميركي" كقوة عالمية مهيبة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
10/17/2026 3:22:00 AM
قال ترامب أمام حشد في دالتون بولاية جورجيا: "أتعلمون.. إذا كنتم في شك بشأن اسم شخص ما من الشرق الأوسط، فما عليكم سوى أن تقولوا محمد... لديكم فرصة صواب بنحو 65 في المئة... مرحبا يا محمد... أفعل ذلك منذ سنوات ولم أخطئ أبدا".
لبنان
10/17/2026 12:00:00 AM
مشروع قطري لتمويل تطوير قطاع الكهرباء وتشغيله يفتح باب انفراج في لبنان، فيما برز توتّر خلال مداهمة مستودع أدوية، وترقّب لزيارة بارو لبحث مرحلة ما بعد اليونيفيل.
رياضة
10/6/2026 10:57:00 AM
تعرف على كيف حوّل كريستيانو رونالدو شهرته الرياضية إلى إمبراطورية استثمارية عالمية تشمل الرياضة، الصحة، التكنولوجيا، والضيافة.
رياضة
10/6/2026 7:59:00 PM
أوضح كريملوف أن بطولة العالم تمثل البطولة الأهم على أجندة الاتحاد، مشيراً إلى أن قيمة جوائز النسخة السابقة التي أقيمت في دبي بلغت 8 ملايين دولار، فيما سترتفع إلى 20 مليون دولار في النسخة المقبلة.
نبض