زهرة من باقة العمالقة!
منذ لقائنا الأول عام ١٩٩٩ فوق إحدى منصات مؤتمر "مئة عام على تحرير المرأة"، سَرَتْ علاقة خفية في ذاتي كنت اجهل عمقها في حينه. لامست روحي بعنادك الانثوي إثر دفاعك عن بحث قدمته في الجلسة التي كنت ترأسينها. حاول احدهم التهجم عليَّ، واوقفته عند حده، ببراعة وحنكة المتمرس. كان بحثي يومها عن العولمة والمرأة العربية والمشاركة السياسية، وكان الاول في هذا الإطار، إذ كانت ادبيات العولمة في بداية تأصيلها المعرفي.
منذ لقائنا الأول عام 1999 فوق إحدى منصات مؤتمر "مئة عام على تحرير المرأة"، سَرَتْ علاقة خفية في ذاتي كنت أجهل عمقها في حينه. لامست روحي بعنادك الأنثوي إثر دفاعك عن بحث قدمته في الجلسة التي كنت ترأسينها. حاول أحدهم التهجم عليَّ، وأوقفته عند حدّه، ببراعة وحنكة المتمرس. كان بحثي يومها عن العولمة والمرأة العربية والمشاركة السياسية، وكان الأول في هذا الإطار، إذ كانت أدبيات العولمة في بداية تأصيلها المعرفي.
كنتِ ضيفة الشرف على المؤتمر الذي عقده عملاق فكري سبقك في الرحيل وهو الدكتور جابر عصفور. تميز المؤتمر بتأطير واقع المرأة العربية منذ كتاب قاسم أمين الاول بعنوان "تحرير المرأة". وكنتِ إلى جانب الشخصيات النسائية الفكرية والناشطة في مجال حقوق المرأة العربية محلياً ودولياً ممن حضر وأضاف الى هذا الحشد النسائي من ما يزيد عن مئة وعشرين كاتبة وباحثة ومفكرة.
هناك، بدأت علاقتنا تنسج خيوطها، اذ كنت تدفعين بي لنشر أبحاثي والحضور الفكري. رعايتك الأولى فجرّت في أعماقي أنهارَ انبهارٍ ومحبة ورغبة بالتواصل بامرأة عربية صنعت للكلمة والفكر العربي قلعة ليزورها كل من نظر بفوقية الى العرب ومنتوجهم الثقافي. امتدت خيوط علاقتنا لتنسحب على ابنتك الغالية الدكتورة لينا الجيوسي، من تزامَلْتُ وإياها في التدريس الجامعي فيما بعد. وتحولت لينا إلى المرساة التي شدتنا جميعاً للقاء كأفراد وأسر عاشقة للثقافة والفن والحضور المجتمعي. صداقتنا ازهرت وكنتِ كلما زُرتِ دبي نتواصل بشوق وحنين لحضور عربي/فلسطيني في الشتات.
ومع تدفق الأيام، كنت معي ومع اولادي كما أنت مع كل طاقة عربية تحمل براعم الانتاج الإبداعي. تشجعين وتدفعين للإبداع كأنك أم الجميع. أسرتي وأسرتك تلاحمتا بعلاقة الأبناء (أولادي وابنة لينا) المحبين للفنون. وكنت دوماً تسألين عنهما ومهتمة بخالد الذي توقعت له الكثير بعدما رأيت انتاجه المدرسي.
كالماس النادر هي روحك يا سلمى، اذ كنت دوماً تبهرينا بعشقك للثقافة العربية والفكر وقدراتك وعملك من دون كلل أو ملل. لم تستطع سنوات عمرك التي بدأت تنهم من جسدك وتضعفه التقليل من عزيمتك للكتابة والترجمة والنشر والحضور الفكري. كان إصرارك يكبر مع اشتداد انكسار الجسد وهزائم السياسة العربية، وتراجع الفكر العربي المتأثر بها. عاندت وكأنك الحائط الأول الذي يسد ثغرات الهزيمة العربية ويحولها الى نصر للثقافة.
لم نكن نصدق هذه القدرات الدفينة التي تسلحت بها للاستمرار. حضرت غياب أبناء جيلك العظام الذين حملوا لواء الفكر والكلمة والدفاع عن المارد العربي الذي يرفض المشروع الصهيوني الاستعماري. ليس من السهل على المرء الاستمرار حيث تراجع أو ترجل الكثيرون. رحل معظم زملائك ورفاق دربك من جيل العمالقة من الكتاب والأدباء. وكذلك حال الشعر الفلسطيني الذي كبر مع أهم عمالقته محمود درويش، وسميح القاسم ومريد البرغوثي، وثريا ملحس، وفدوى طوقان، والناقد المترجم مثيلك جبرا ابراهيم جبرا والكثير غيرهم. جاؤوا ورحلوا ولا تزال فلسطين درة عالقة في الحلق. لا نقوى على بلعها أو بصقها. هي درّتنا كالطفل محمد الدّرة الذي كتبها في مخيلتنا رمزاً لقهر البراءة وتعنت الظلم.
وأنت يا زهرة وسط العمالقة حاولت كما حاول الأكبر إدوارد سعيد، وهشام شرابي والسبحة تكبر والحزن يتعاظم على الرحيل، ويبقى الحلم كالدرة في الحلق. كأن غيابهم وغيابك يسرقان الحلم ويتركان الجوهرة عصية على الحضور، وعصية على أن تبرق تحت الشمس التي حلمنا بها كلنا، ورسمتها أجمل المفردات التأريخية للياس خوري في "باب الشمس"، و"رجال من الشمس" لغسان كنفاني.
وهكذا يتبلور قدر من حمل فلسطين هوية أو هماً. كل من ولد كاتباً وشاعراً فلسطينياً يُكْتَبُ كملحمة في الحياة والانتاج والابداع. أنتم، يا جيل فلسطين المبدع، أنتم ملاحم لا تغيب تحت الشمس.
وانت، جاهدت ونلت العديد من الجوائز: جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2020، وسام الثقافة والعلوم والفنون الفلسطيني2019، جائزة خادم الحرمين للترجمة 2008، جائزة سلطان بن علي العويس 2006. ورحلت والدرة في الحلق.
كثيراً ما دخلنا في حوارات حول فلسطين الساكنة في العروق. وكم رأيناها تكبر كلما كبر حجم القمع الصهيوني. فكل إنسان حر، لا بد من أن يعشق العدالة ويكره القمع لشعب سُلِبَ بيته وأرضه. ففلسطين تكبر في الأفئدة والأرواح والسماوات والأكوان، تكبر مع العدالة الالهية كلما سقطت العدالة الانسانية.
وفي خضم كلامنا سوية، كنا نستكشف تلك الطاقة الدفينة لأرواحنا حيث عرفت عن كثب عمق إيمانك وإسلامك لله قلباً وليس ظاهراً. هذان الإيمان والتواصل الروحي اللذان حملاك الى الديار المقدسة ومكة. وهو ربما ما حماك ولو نسبياً من الانهيار الكلي إثر وفاة ولدك ووحيدك المهندس أسامة.
ورغم بقاء ابنتيك لينا ومي والحفيدة جنان بالقرب منك طوال تلك المدة الأليمة وما أعقبها من هزّات لجائحة كورونا، والتي لم ترحم جسدك ولا الضعف الذي نكّل بقلبك بعد رحيل وحيدك، هزّتك كورونا مرتين، لكنك قاومت في كل مرة وعدت إلى الحياة والحضور والانتاج والكتابة وانما هذه المرة، ما استطعت إليه سبيلاً. ويبدو أن الجسد التسعيني لم يعد يقوى وقرر الرحيل. وأبت روحك إلا الرحيل الخاص مع تباشير العيد. وغادرت راضية مرضية وسط حبيباتك البنات، مع آخر سويعات رمضان. رحلت روحك لتستقبل العيد مع الذين غادروها. وإن كانت روح أسامة اول المستقبلين لك في جنان الخلد، فلن تكون روح الدكتور جابر عصفور آخرها.
لأرواحكم السلام يا باقة العمالقة. ورجاء في المرة القادمة ساعدونا على إخراج الجوهرة/الدرة من سجون الأفواه التي تكاد تغص فيها. فكل إنسان بحق يحلم بأنوار الحرية تشع في مهد المسيح، وصخرة المعراج، وأرض النبوات والمواعيد والعمالقة.
وداعاً يا جسد الأديبة والشاعرة والدكتورة سلمى خضرا الجيوسي. ومرحبا بحضورك الحي في أرض المواعيد ومعراج الأرواح.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
مجتمع
5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
فن ومشاهير
5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.
نبض