مصر: المحروقات تباغت المواطن!
هناك جدل مستمر في مصر استمر لعقود عن منظومة الدعم وبكل وضوح، فإن تلك المنظومة خضعت على مدى عقود للترقيع والتنكيس والترميم، فظلت مشكلتها قائمة، وبينما أيقن الحكم في مصر أن القضاء على معضلات الأحياء العشوائية يتم بهدمها ونقل سكانها إلى أحياء حضارية جديدة فإنه لايزال يدور في فلك الحلول التقليدية بالنسبة الى قضية الدعم بتخفيضه كل فترة.
طبيعي أن يستغرب المصريون قرار الحكومة زيادة أسعار المحروقات من دون أن تضع أي اعتبار لتوقعاتهم بانفراجة في الأزمة الاقتصادية، بعد الإعلان عن تدفقات دولارية حصلت عليها مصر بفعل مشروع "رأس الحكمة"، والاتفاق مع صندوق النقد الدولي واتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. فالناس في مصر كانوا يترقبون ضبط الأسعار والسيطرة على جموحها وارتفاعاتها المتتالية وخفض وتيرة تصاعدها، وهم يدركون أن رفع أسعار المحروقات عموماً، والسولار خصوصاً، تعقبه موجة عاتية من الارتفاعات الرهيبة لأسعار المواصلات والنقل والسلع الأساسية، ولم يتخلصوا بعد من المعاناة جراء ارتفاع أسعار العملات الأجنبية التي أفضت إلى ندرة في بعض السلع وزيادة كبيرة في أسعار باقي السلع، بحجة أن بعضها مستورد من الخارج وبعضها يتم إنتاجه أو تصنيعه داخل البلاد ولكن بمكونات أجنبية مستوردة. وبعد الإعلان عن مشروع رأس الحكمة والاتفاقات مع مؤسسات دولية انخفضت أسعار العملات الأجنبية، وخصوصاً الدولار، واختفى السوق السوداء، ولكن وجد المصريون أنفسهم يسددون ثمن الاتفاق مع صندوق النقد برفع أسعار المحروقات وبالتالي باقي السلع!
هذا جانب من الصورة، ولكن في جانب آخر هناك تنظيم "الإخوان المسلمين" الإرهابي الذي وجد في رفع أسعار المحروقات فرصة لا بد من انتهازها لتحريض الناس على الحكم ومواصلة السعي لنشر الفوضى وإطاحة النظام الحالي بثورة شعبية، من دون أن يكون لدى الإخوان أصلاً أي آليات تمنحهم القدرة على تحريك الناس وتنصيب الجماعة مجدداً على رأس الحكم في البلاد! ولا يخجل التنظيم وقادته وعناصره من أن كل الدعوات التي أطلقوها لثورة شعبية أنتجت فشلاً ذريعاً، ولذلك فإن كل تحركاتهم أخيراً لا تثير الدهشة، ليس لكون الجماعة أضعف من أي وقت سابق فقط، ولكن أيضاً لأنها تثير الشفقة على أعضائها الذين ما زال بعضهم يصدقون أنهم يسيرون مع قادتهم في الطريق الذي سيعيدهم مرة أخرى إلى سدة الحكم.
دعك من الأسباب التي أدت إلى إطاحة الإخوان من الحكم عام 2013، وكذلك أداء محمد مرسي كرئيس، وأيضاً تفاصيل ما ورد في أوراق عشرات القضايا التي اتهم فيها مرسي قبل وفاته ومعه مرشد التنظيم ورموزه وغالبية أعضاء مكتب إرشاد الجماعة ومئات آخرين من أبرز كوادرها، فتلك أمور ظل الإعلام يتناولها منذ ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، لكن الغريب أن المخططين لحملات الإخوان يصدقون بالفعل أن تنظيمهم سيعود إلى السلطة وأن قيادياً ما من قادة الإخوان يجهز نفسه ليكون رئيساً من جديد، رغم أن كل المؤشرات والدلائل حولهم تنبئ بما هو عكس ذلك. ليس المهم الآن البحث في الأسباب التي تدفع قادة التنظيم إلى خداع البسطاء من أعضاء الجماعة أو المتعاطفين معها، فالمسألة محسومة ومعروفة، ويدرك الواعون لسلوك قادة الإخوان ويعرفون أن التنظيم الآن يسعى بكل الطرق إلى تدارك خسائره وعزوف الشعب عن الجماعة بمزيد من الخسائر، ويعتقد محركوه الآن أن الاعتراف بالفشل يقضي على الجماعة، وأن التمسك بأن انقلاباً وقع وأن الشرعية ما زالت قائمة لحكم الإخوان وأن الشعب المصري يتوق إلى أيام الجماعة هو السبيل للحفاظ على الجماعة وتفادي تفككها أو قل تلاشيها!
وجاء استخدام أزمة ارتفاع الأسعار ومحاولة الإيحاء بأن المصريين لم يشهدوا رفاهية كما شهدوا في عهد الإخوان ليثير السخرية والضحك والبكاء في آن، على حال الجماعة، ويؤكد أن الإخوان ماضون في طريقهم من دون أن يدركوا إلى أين يقودهم. المتابعون للأحوال في مصر مقتنعون تماماً باستحالة حدوث ثورة شعبية يقودها الإخوان لسبب بسيط وبديهي، وهو أن الشعب لم يعد يثق بالجماعة وقادتها، وأن الهوة بين الإخوان والناس وصلت إلى أقصى مدى بعدما تحولت الصورة الذهنية للإخوان إلى اعتبار الجماعة أحد التنظيمات الإرهابية الراديكالية، وأن الإخوان ظهير لـ"داعش" و"القاعدة" و"أنصار بيت المقدس"، وأن المسألة مجرد توزيع أدوار بينها.
يتصدى المصريون البسطاء لمؤامرات الإخوان ويتحملون تداعيات الربيع العربي ثم تأثيرات الظروف الدولية والإقليمية، لكنهم، في الوقت نفسه، لا يهتمون كثيراً بمسألة الأرقام، وغالباً لا يكترثون بما يلوكه المسؤولون عن حجم دعم السلع أو الخدمات، أو نسب الارتفاع أو الانخفاض في ما تقدمه الدولة من دعم للفرد أو الأسرة، أو الفارق بين السعر الحقيقي للسلعة وسعرها حين تكون بين يديه، فالمهم لديه أن يحصل عليها بسعر مناسب، أو ينال الخدمة من دون أعباء إضافية، ويدركون أن النتيجة الطبيعية لرفع أسعار المحروقات زيادة الأعباء ومواجهة ضغوط جديدة، خصوصاً أن تصريحات المسؤولين بعدها تكون كارثية كالوزير الذي يعتبر الزيادة "تصب في مصلحة المواطن" أو الوزير الذي يرى أن "على المواطنين أن يمتنعوا عن شراء أي سلعة يزيد سعرها!".
هناك جدل مستمر في مصر استمر لعقود عن منظومة الدعم وبكل وضوح، فإن تلك المنظومة خضعت على مدى عقود للترقيع والتنكيس والترميم، فظلت مشكلتها قائمة، وبينما أيقن الحكم في مصر أن القضاء على معضلات الأحياء العشوائية يتم بهدمها ونقل سكانها إلى أحياء حضارية جديدة، فإنه لا يزال يدور في فلك الحلول التقليدية بالنسبة إلى قضية الدعم بتخفيضه كل فترة، وكلما اقترب سعر سلعة مدعومة من سعرها الحقيقي عاد الفارق من جديد بين السعرين بفعل حركة الأسواق العالمية والإقليمية والمحلية، فيصبح الأمر مُلحاً بضرورة خفض جديد لدعم تلك السلعة، وهكذا!
صحيح أن الدولة اتخذت إجراءات إيجابية حمائية بتأسيس مؤسسات أهلية خيرية تقدم مساعدات لفئات من الفقراء في ربوع البلاد، لكن صار واضحاً أن لا حل لقضية الدعم في مصر إلا بالخلاص من تلك المنظومة القديمة البالية المهترئة وتبني أخرى تعتمد على قاعدة بيانات دقيقة لمستحقي الدعم، فتنخفض قيمته وتتوقف المنح والمزايا للأثرياء من دون الإضرار بالبسطاء.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان
4/29/2026 10:32:00 AM
هل ستُهاجم إسرائيل العاصمة بيروت؟
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
نبض