الحكمة من رأس الحكمة
أكاذيب الاخوان لاطفاء مظاهر البهجة تصل أحياناً إلى درجة الهزل، كما حدث عندما تم اكتشاف حقل الغاز في البحر المتوسط وقالوا "هذا وهم". وحين شرح السيسي تفاصيل المشروع العملاق وقال "لو كان لقبرص حق في الغاز لأعطيته لهم" عادت الجماعة لتحذر المصريين من أن الرجل "سيتنازل عن الغاز المصري لقبرص".
كان أسبوعاً مفعماً بالحقائق والأكاذيب في آن، فعندما وقف رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي ليعلن تفاصيل مشروع ضخم وشراكة استثمارية بين مصر ودولة الإمارات، طرح الرجل حقائق تتعلق بطبيعة المشروع ومساحة المدينة الجديدة في منطقة رأس الحكمة وأرباح مصر من الصفقة، عارضاً تاريخ كل دفعة مالية سيسددها الطرف الإماراتي ونسبة الأرباح التي ستذهب إلى الجانب المصري، بدا وكأن الجهات المعادية لمصر والإمارات تعرضت لضربة موجعة، فبدأت على الفور حملة استهدفت إسكات صخب الفرحة وإبطال مظاهر البهجة وإطلاق موجة جديدة من الأكاذيب للإساءة إلى المشروع وأطرافه.
مساحة المدينة الجديدة تبلغ 40 ألف فدان، وتؤسس على أساسها شركة استثمارية مصرية باسم المدينة، وستتوافر فيها كل أركان المدن الذكية بكل المستويات والخدمات مع مارينا لليخوت، ومطار دولى جنوب المدينة، على أن يكون لمصر جزء من إيرادات المطار، ويزيد المشروع حصيلة السياح 8 ملايين سنوياً، باستثمار 35 مليار دولار، خلال أسبوع 15 مليار دولار الدفعة الأولى، منها 10 مليارات دولار قادمة من الخارج و5 مليارات دولار من الودائع المحددة بـ11 مليار دولار لتحول إلى الجنيه المصري، ويستخدم بالاستثمار في المشروع بالجنيه المصري، وكانت الودائع مسجلة من الدين الخارجى على مصر، وخلال شهرين تحصل مصر على 20 مليار دولار، منها 14 من الخارج والباقي 6 مليارات دولار من الودائع الإماراتية، كما ستحصل مصر على 35% من إيرادات المشروع الذي من المتوقع أن تبلغ استثماراته نحو 150 مليار دولار.
اللافت أن المصريين وكأنهم انتظروا رد فعل منصات تنظيم الإخوان الإرهابي ليبدأوا هجمة مضادة للسخرية من سلوك اعتادوه من تنظيم دأب مع كل عملية إرهابية كانت تقع في سيناء، أو غيرها، على أن يصرخ بأن الإرهاب "فزاعة" يفتعلها السيسي، ومع سقوط الشهداء من الجنود قالوا "الجنود تحارب وتموت والضباط جالسون في المكيفات"، وحين سقط شهداء من القيادات قالوا "هذا جزاء من يقتل المستضعفين في سيناء ويُهجر أهلها"!!
أكاذيب الإخوان لإطفاء مظاهر البهجة تصل أحياناً إلى درجة الهزل، كما حدث عندما تم اكتشاف حقل الغاز في البحر المتوسط وقالوا "هذا وهم". وحين شرح السيسي تفاصيل المشروع العملاق وقال "لو كان لقبرص حق في الغاز لأعطيته لهم" عادت الجماعة لتحذر المصريين من أن الرجل "سيتنازل عن الغاز المصري لقبرص"، وما زال المصريون يتذكرون حادثة قتل الأقباط المصريين في ليبيا، وقتها تساءل الإخوان "فين مسافة السكة؟" وهتفوا: "يسقط يسقط أي رئيس طول ما الدم المصري رخيص"، وعندما دك الطيران المصري "داعش" في ليبيا قالوا "الحقوا الجيش يقتل المدنيين والأطفال في ليبيا ويساعد حفتر".
على ذلك رسخ موقف التنظيم الإرهابي من الإعلان عن مشروع رأس الحكمة القناعات بأن الإخوان ضد الدولة في مصر على طول الخط، وسيبقون كذلك، ولن يُقروا أبداً بسلامة أو صحة أو فائدة قرار أو إجراء أو تصرف، وهكذا أصبح "الثورجية" معهم في الجانب ذاته.. بينما الشعب على الجانب الآخر!! لحرق كل فكرة جادة أو مشروع واعد أو فائدة ستتحقق حتى يبقى الناس رهن الغليان المستمر والإحباط الدائم، وفي الوقت نفسه أكد أن كل المشاريع الكبرى التي نُفّذت في عهد السيسي عكست حكمة الرؤية الاستراتيجية للقيادة المصرية وأفضت إلى تحويل مصر إلى كيان جاذب للاستثمارات العالمية.
حجم الاستثمار في المشروع الأكبر في تاريخ مصر عكس نجاحاً مذهلاً لاستراتيجية تصدير العقار وتتويج جهود الدولة في تنفيذ مشاريع البنية التحتية، والعمل خلال السنوات الماضية لتحويل مصر إلى وجهة استثمارية عالمية على كل الصعد، خصوصاً الاستثمار العقاري. وسينتج من ضخ هذا الاستثمار الضخم في شرايين الاقتصاد المصري بوضوح تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، وظهر ذلك بمجرد انتشار المعلومات عن المشروع، إذ تأثرت السوق السوداء كثيراً وارتفعت قيمة الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية، وهناك توقعات بانخفاضات أخرى بمجرد دخول الدفعة الأولى من قيمة المشروع إلى المصرف المركزي المصري، بما يساعد مصر في حل أزمة الدولار.
وسينشط الاستثمار الضخم الشركات والمصانع المصرية التي ستعمل في المشروع، خصوصاً شركات المقاولات ومصانع الأسمنت والزجاج والأسلاك، وسط توقعات بتوسيع تلك الكيانات الصناعية نشاطها واستثماراتها لتواكب الطلب المرتفع على منتجاتها، بما يساهم في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
وسيفتح مشروع رأس الحكمة باباً كبيراً لمزيد من الاستثمارات العالمية والإقليمية التي ستذهب إلى مصر التي صارت سوقاً جاذباً للاستثمارات بحجم الصفقة الضخمة للمشروع، نتيجة لزيادة الثقة بالاقتصاد المصري، سواء في القطاع العقاري أو المشاريع السياحية أو إنشاء المصانع التي ستلبي الاحتياجات المحلية.
نعم الحياة في مصر ليست وردية، والبلد ما زال ينفض عن نفسه أعباء ركود استمر لعقود وشظايا أصابت بنيته التحتية بفعل الربيع العربي وآثار سلبية نتيجة لحكم الإخوان وثمن خلعهم، ولا أحد ينكر أن البلد يعاني وضعاً اقتصادياً صعباً، بل إن الرئيس عبد الفتاح السيسي لا يتوقف عن التنبيه إلى ضرورة حل الأزمة الاقتصادية، ولو بإجراءات صعبة، ولا يمكن لأحد أن يجادل في أن أسعار السلع الأساسية تتصاعد، وأن الغلاء يكوي البسطاء، وأن الدولة تعاني نقصاً حاداً في الموارد، وندرة بالغة في العملات الصعبة، ما زاد من وطأة الحياة على المواطنين. تلك حقائق لا يمكن الجدل فيها أو إخفاؤها، وطبيعي أن يكون هناك خلاف على أسبابها وطرق علاجها.
عند البحث عن الأسباب وسبل الخروج من الأزمة، دعك من الإخوان، فكتائب اللجان الإلكترونية الإخوانية تعمل طوال السنوات الثلاث الماضية على تلبية أوامر قادة الجماعة في إشاعة الإحباط بين الناس، ونشر ما يبدد فرحتهم بأي مشروع، وإفساد سعادتهم بأي إنجاز، وتحويل نهارهم إلى ليل وأفراحهم إلى مآتم. ولأن قواعد الإخوان لا صلة لها بالصراعات التي تدور بين قادة التنظيم حيث يركز الأعضاء فقط على السمع والطاعة للقادة، فإن الأفراد يعتقدون أن تنفيذهم الأوامر سيجعل الناس يحنون إلى أيام حكم الجماعة ويصدقون أن الفشل الذريع الذي حققته، بمنتهى الكفاءة، كان بسبب السيسي والجيش والمؤامرة الدولية على الإسلام، وليس ندرة الكفاءة بين رموز الجماعة، أو تركيز التنظيم على أخونة الدولة دون تحقيق مصالح الشعب، كما أن الآلة الإعلامية الضخمة للجماعة بكتائبها الإلكترونية وقنواتها التي تبث من خارج مصر لم تكتف أصلاً بتغييب الحقائق، أو إفساد الفرحة، بل نشطت بشدة في اختراع الأكاذيب، وافتعال الأزمات والصيد في كل ماء عكر، لعل زيت الزيف يزيد من نار الغضب فيفقد السيسي شعبيته ويخرج الناس بثورة عليه. المهم أيضاً أن تجربة الإخوان في حكم مصر أثبتت أنه ليس لديهم نظرية اقتصادية، أو أفكار خلاقة، للخروج من الأزمات وتحقيق الازدهار إلا مشروع "طائر النهضة" الذي طرحه الرئيس الإخواني محمد مرسي، وضحك الناس على مفرداته من رأس وجناحين ومؤخرة!!
كان المشهد احتفالياً ومطمئناً بالنسبة إلى المستقبل، بينما في المقابل كان العنوان الرئيسي الذي دارت حوله تغطيات قنوات الإخوان وبرامجها لمؤتمر الإعلان عن مشروع رأس الحكمة أن المشروع "تكريس لمجتمع النخبة البعيد عن آلام الفقراء"، ورفع الإخوان وهم يتعاملون مع وقائع المؤتمر شعار "لا لمؤتمر بيع مصر" بعدما عجزوا رغم محاولات استمرت سنوات عن إفساد تدفق الاستثمارات إلى السوق المصري. والمؤكد أن ردود الفعل الصادرة من هذا الاتجاه يمكن توقعها حتى لو لم تطلع عليها. فلا تستغرب تقارير قنواتهم وأخبارها والمشاهد التي اقتنصتها لتعرضها على شاشتها وآراء محلليها الذين اعتبروا جميعاً المشروع كارثة على مصر والمصريين!! وكذلك لا تندهش لحملة الإخوان الذين كانوا يأملون أن يؤدي إرهاب حلفائهم في سيناء، وقنابل عناصرهم العشوائية في أنحاء مصر على مدى سنوات، إلى منع كل مشروع جديد أو علاج لأمراض الاقتصاد المصري أو انفراجة في أحوال المعيشة للمصريين، وبعدما تبين لمكتب إرشادهم أن وعوده المتكررة لعناصر الجماعة بقرب سقوط السيسي، على أساس أن "الانقلاب يترنح" لا يتحقق منها شيء، فاضطر زعماء الجماعة إلى تطوير الأداء ليحافظوا على تماسك الجماعة، فكان تبني حملة تشويه للمؤتمر ومنظميه والمشاركين فيه والمشروعات التي طرحت أثناءه، والاتفاقات التي وقعت على طاولاته، والآراء التي طرحت في قاعاته، وحتى التحليلات التي صدرت عن جهات أو شخصيات محايدة حول جدواه ووقائعه ونتائجه.
طبيعي أن يخضع المشروع للتحليل من جانب خبراء الاقتصاد والتدقيق من جانب المتخصصين والمتابعين له والمهتمين بمصر واقتصادها وأحوالها ومستقبلها. وشىء عادي وجود انتقادات لنوعية بعض المشاريع التي جرى تنفيذها من قبل، أو رفض لطبيعة بعض الاستثمارات التي وقعت جهات مصرية عليها، أو شكوك حول بعض الأرقام التي تم تداولها في مشاريع أخرى، فهذا من طبائع الأمور بل من الواجب على الحكومة المصرية ألا تكرر أخطاء الماضي، وعليها أن تدرس بعناية كل مشروع جديد رغبة في نيل فوائد مضافة على ما تحقق في كل المشاريع التي جرى تنفيذها في الأعوام السابقة، وأن تخضعه للتقويم لتفادى الأخطاء في المستقبل.
أهل الاقتصاد، المنزهون عن الهوى الإخوانجي أو المصالح، أدرى بشعاب المشروع ونتائجه المنتظرة، لكن المؤكد أن حجم الاستثمار في المشروع وضخامته وثقله أغلقت الباب على عبارة "انهيار الاقتصاد المصري" التي يرددها الإخوان وتروج لها منصات التنظيم. كما أن أي حديث أو شائعة أو أخبار "مضروبة" عن رغبة الحكم في مصر في الدخول في مصالحة مع الإخوان لم تعد تنطلي على أحد، وأن على الإخوان وأنصارهم وحلفائهم في الداخل والخارج أن يغيروا من استراتيجية الصراع مع الدولة المصرية، فالعالم لم يعد يتعامل مع انقلاب يترنح أو لا يترنح، بل مع مؤسسات دولة راسخة. أما محاولة تحريض الناس على حلفاء مصر بالتلميح والتصريح بأن مشروع رأس الحكمة مثلاً لم يعرض لحوار مجتمعي فأمر مثير للضحك أكثر من مجرد مناقشته، أو أن الصفقة الضخمة مع الجانب الإماراتي جرت من دون مناقصة فهذا يعكس جهلاً بالقانون والمنطق، فمدينة متكاملة المرافق ليست منتجعاً أو بناية حكومية يكون الحرص فيها على أقل الأسعار.
التجربة والتنفيذ والأداء ستحكم على المشروع العملاق ونتائجه، وسيعود الذين شككوا، قبل الإعلان رسمياً عنه وأثناءه، في جدواه ليقرأوا واقعاً جديداً، وسيجدون أن اللعب على الأوتار الضعيفة لم يعد مجدياً، فالمشاركة الاستثمارية مع جهات إماراتية أمر طبيعي، إلا إذا كانت توقعاتهم أن تُسند مشاريع مصر في المستقبل إلى شركات إخوانجية!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان
4/29/2026 10:32:00 AM
هل ستُهاجم إسرائيل العاصمة بيروت؟
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
نبض