22-02-2024 | 05:25

جواسيس العمل

مثلما هناك جواسيس مزدوجون لدولتين، هناك جواسيس مماثلون، يسمعونك ما يحلو لك سماعه، ويسمعون الطرف الآخر ما يريد معرفته! وهي طريقة تفتقر الى المهنية.
جواسيس العمل
Smaller Bigger
يقول رجل الأعمال الكويتي الراحل عبد الله خالد الدليجان في مذكراته إنه اشترى بناية "اليورو تاور" في قلب العاصمة البريطانية لندن، ثم نجح في تأجيرها للحكومة البريطانية في حقبة التسعينات، وفيها نحو 650 ساكناً، من نحو 45 جنسية ويتحدثون 30 لغة. ثم قال لموظفي مكتبه هناك "إني أشم رائحة سرقة"! فكان ردهم بأن ذلك مستحيل "فنحن مجموعة من الموظفين وحراس ولدينا موظف استقبال يتحدث 7 لغات، وجميعهم محشورون في مكتب جماعي لا يزيد عن 20 متراً مربعاً".
 
غير أن العم الدليجان بفطنة التاجر الكويتي لم يقتنع بكلامهم، فأعد خطة سرية محكمة بتوظيف سكرتيرة تجيد 8 لغات أطلق عليها  اسم "الجاسوسة". وشيئاً فشيئاً اكتشفت أن موظفاً إيطالياً كان يخون الأمانة، يسرق عوائد العمارة، بل درّب آخرين على خفايا السرقة الاحترافية قبل أن يغادر إلى بلاده. مكثت الجاسوسة الإسبانية (السكرتيرة) تراقب أمين الصندوق، وجلست ببراءة وسط الزبائن أو المؤجرين لترهف السمع إلى الحوارات الدائرة، ثم سمعت أحدهم يقول لآخر بتهكم وبلغة إيطالية: "أنا أعرف أنك تعطي زميلتي الأسترالية خمسين جنيهاً لتمدد لك الإقامة لمدة شهر مجاناً"! ثم استدعى المالك الأسترالية، وحقق معها، فاعترفت ثم أعادت المبالغ المختلسة، ويبدو أن مداخيل العمارة كانت تُسْتَنزَف طوال تلك الفترة، حتى نجح المالك الكويتي بخطة الجاسوسة ليكشف مكمن الخلل في غضون أسبوع واحد.
 
في بيئات العمل، لا يفضل تعيين جواسيس، وأشعر بالأسى عندما أجد شخصاً يتقرب إلى الإدارة العليا بنقل أخبار الموظفين أو بطريقة جاسوسية. أما ما فعله رجل الأعمال فيختلف، فهو شكّل لجنة تقصي حقائق خفية عبر تلك الجاسوسة، لأنه لا يريد طريق المحاكم، وهو أسلوب ذكي. مشكلتنا عندما يصبح "التجسس" نهجاً من القيادة ببث عيونها بين الموظفين، ليس لطمأنتها إلى أن الأمور على ما يرام، بل لنقل دقائق أحاديث الموظفين وفضفضتهم فيدخل الشك والشقاق والوشاية بينهم.
 
ومثلما هناك جواسيس مزدوجون لدولتين، هناك جواسيس مماثلون، يسمعونك ما يحلو لك سماعه، ويسمعون الطرف الآخر ما يريد معرفته! وهي طريقة تفتقر إلى المهنية. ففي العمل هناك ما يعرف بالتواصل الإداري الفعال (كتابة وشفاهة)، الذي يضمن أن يكون كل مسؤول ملماً بمجريات الأمور عبر الاجتماعات الدورية، والتقارير، والرقابة الإلكترونية لمؤشرات الأداء. كما أن وضوح آلية الشكوى وطلب مقابلة كبار المسؤولين أمر مهم عندما تتقطع بالمظلومين السبل للحصول على حقوقهم، أو عند رغبتهم في من ينتشلهم من تسلط المديرين. 
 
لو كنت مكان التاجر الكويتي الدليجان فسأفعل مثل صنيعه، لأن المسألة مرتبطة بخيانة أمانة عارضة حتى تضع المؤسسة نظاماً رقابياً حصيناً (أشبه بالحوكمة). أما "نهج" بث الجواسيس في أروقة العمل فهو أسلوب غير مهني وينم عن ضعف، وعجز في التواصل مع المديرين، ومؤشر إلى بذور الشك المزروعة في مخيلة المسؤولين. 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية