أتى الحريري... ذهب الحريري... العودة المؤجّلة
خلافا لزيارته السابقة لامس الحريري في زيارته هذا العام السياسة ملامسة عرضية، تحدث الى شباب تياره عن اسباب ابتعاده، ربما يكون اقتع بعضهم، لكنه لم يقنع اللبنانيين. واذا كانت تلك الاسباب وجيهة بحد ذاتها، الا انها قد لا تكون كافية للابتعاد وبالطريقة والظروف التي تم بها.
أتى سعد الحريري... ذهب سعد الحريري... انشغل الإعلام االلبناني وبعض الوسط السياسي بزيارة رئيس الوزراء اللبناني السابق المعتكف عن مزاولة نشاطه السياسي بضعة أيام قبل أن يعود إلى مقر إقامته في دولة الإمارات العربية المتحدة. خمسة أيام أمضاها الحريري في لبنان كانت كافية للاستنتاج أن عودته إلى ممارسة نشاطه السياسي لم يحن أوانها بعد، وهو ما أشار إليه صراحة عندما قال "كل شي بوقته حلو". لم يحن الوقت إذاً. هذه الجملة تختصر كل شيء تقريباً. الكلام الآخر الذي قاله الحريري لأنصاره عن أن البلد لا يسير من دونهم، وأنه معهم وباق إلى جانبهم ولن يتخلى عنهم هو كلام عاطفي موجّه إلى جمهور كان يطلب أكثر من ذلك بكثير.
انتهت الزيارة وتركت الكثير من الأسئلة مفتوحة على الغموض، وهي أسئلة قد تكون أجوبتها عنده وحده، وقد تكون في أمكنة أخرى أو مرتبطة بظروف المنطقة وتطوراتها، وفي كل الأحوال هناك مجموعة من الملاحظات تكونت لدى متابعي الزيارة.
أولاً، كشفت الزيارة عن خلل في عمل "تيار المستقبل" الذي لم يستطع تأمين حشد شعبي بالمستوى الذي كان قد وعد به في ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري واستقبالاً لسعد العائد رغم الحملة الترويجية الكبيرة، وليس مبرراً التحجج هنا بالطقس، فالمطر كان متوقعاً وكان يمكن الاستعداد له. ولعل في ذلك مؤشراً يحتاج الحريري إلى قراءته بتمعن في إطلالاته اللاحقة. وقد يكون في دعوة الحريري شباب التيار إلى العودة إلى العمل الاجتماعي والخدماتي استدراك لهذا الخلل الذي قد يكون أبعد التيار عن جمهوره وحاضنته الشعبية.
ربما تجيب الأيام المقبلة عن سؤال جوهري هو: هل تنتظم ماكينة عمل التيار من جديد لتهيئة الظروف لعودة مرتقبة للحريري، أم ينتهي مفعول كلامه مع مغادرته ويرجع التيار إلى حالة الانكفاء والضعف التنظيمي وتبقى البيئة تنتظر عودة الحريري على أمل ما؟
ثانياً، على مستوى الطائفة السنية شعبياً، بدا واضحاً أن هناك قناعة كبيرة بأن أسباب غياب الحريري ما زالت قائمة، وأن كل الضجة التي أثيرت حول العودة كانت غير صحيحة. معبّر جداً في هذا السياق تلكؤ البيارتة عن الحشد إلى وسط مدينتهم الذي يستطيعون الوصول إليه سيراً على الأقدام! هل كانوا يريدون توجيه رسالة إلى الحريري تتعلق بمواقفه شخصياً أم بالشخصيات التي أوكل إليها أمر التعاطي معهم في غيابه؟
ملاحظة لافتة هنا أبداها متابعون للزيارة ولحركة الناس في بيروت يوم 14 شباط (فبراير)، هي أن الجيل الجديد من أبناء المناطق "الحريرية" تقليدياً لم يعد متابعاً ولا مهتماً بالسياسة، سائراً على خطى الحريري نفسه. وهذه ظاهرة تستحق التوقف عندها.
ثالثاً، على مستوى اللقاءات لم يخرج الحريري عن المتوقع، وبدا واضحاً أنه حافظ على الخطوط العريضة لتعاطيه مع القوى السياسية لما قبل مغادرته، لا "دفء" مع الخصوم ولا مع "الأصدقاء" الذين تركهم على زعل كـ"القوات اللبنانية" ووليد جنبلاط. ما زال يحمل في قلبه وعقله كل الذكريات المرّة التي رافقت مسيرته السياسية وخروجه منها على الطريقة التي خرج بها. الرجل "الطيب القلب" تعلّم أن طيبة القلب لم تُصنع للسياسة في لبنان.
رابعاً، خلافاً لزيارته السابقة، لامس الحريري في زيارته هذا العام السياسة ملامسة عرَضية، تحدث إلى شباب تياره عن أسباب ابتعاده، ربما يكون قد أقنع بعضهم، لكنه لم يقنع اللبنانيين. وإذا كانت تلك الأسباب وجيهة بحد ذاتها، إلا أنها قد لا تكون كافية للابتعاد بالطريقة والظروف التي تم بها. صحيح أن لا شيء تغير في لبنان، وأن الطبقة السياسية والعقلية السياسية بقيتا، وأن لبنان يعيش جنوناً سياسياً وكل طرف يتمسك بمواقفه ويعتقد نفسه أكبر من البلد، لكن الصحيح أيضاً أن هذا الوضع كان قائماً منذ عقدين على الأقل ولم "يهرب" الحريري منه. فإذا كان هذا هو سبب الابتعاد فإنه لن يعود أبداً، لأن لا أفق لنهاية الجنون السياسي في البلد كما وصفه، حتى لو انتُخب رئيس جديد وشُكلت حكومة جديدة.
خامساً، يمكن تلمّس، من بعيد، تلميح إلى عودة، أو على الأقل بداية تحضير أرضية ممهدة لها، وربما على الحريري في ضوء ما تقدم أن ينتظر تغيراً كبيراً في المنطقة، تغيراً قد تفرضه حرب أو سلام، فإما يعود أو لا يعود. وفي انتظار شيء ما قد يحدث أو لا يحدث، لنضرب موعداً في 14 شباط المقبل.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض