20-02-2024 | 05:35

مصر: وهم الثورة؟!

غالبية ما يُكتب أو يُبث عن مصر من خارجها لا يعبّر عن واقعها، ومهما كانت الظروف صعبة على المصريين، فإنّ لديهم قناعة تامّة بأنّ كل ما يروّج له "الإخوان" مجرد أكاذيب او استغلال لكل ازمة وأي مشكلة.
مصر: وهم الثورة؟!
Smaller Bigger
 
لماذا يهتم الناس في مصر كثيراً بملاحقة أخبار اعتيادية، كالقبض على "يوتيوبر" مصرية من أصل أردني، لاتهامها بإطلاق ألفاظ وعبارات بذيئة عبر موقع "تيك توك" مثلاً، ولم يلتفتوا إلى دعوات "الإخوان المسلمين" وحلفائهم، من بعض اليساريين والناصريين وثورجية الفضائيات التي تبث من خارج مصر، إلى عصيان مدني في ذكرى أحداث 25 كانون الثاني (يناير) 2011، ثم ذكرى تنحّي الرئيس الأسبق حسني مبارك في الشهر التالي من العام نفسه؟
 
لماذا يتابعون بشغف جولات الرئيس عبد الفتاح السيسي في الصباح الباكر ليتفقّد أعمال البناء والتشييد وتعبيد الطرق ضمن المشاريع الكبرى في أنحاء مصر، ولا تجذبهم دعوات رموز تنظيم "الإخوان" وحلفائهم المقيمين في الخارج، ويحظون برعاية أجهزة استخبارات غربية للتحريض ضدّ الجيش؟
 
لماذا يرفع المصريون أعلام بلدهم لتشجيع فريقهم في كرة القدم أو لدى حضورهم افتتاح كل مشروع جديد، ولا يرفعون علامة رابعة التي تحولت شعاراً لـ"الإخوان"؟ إلى متى يتجاهل المصريون الحملات التي تستغل الأوضاع الاقتصادية وصعوبة أحوال المعيشة وارتفاع اسعار السلع الأساسية وغير الأساسية أيضاً، ولا يخرجون في ثورة ضدّ السيسي؟ لماذا يلقي الناس في مصر بكل ادعاءات منصّات "الإخوان" حول الموقف المصري من القضية الفلسطينية في سلّة المهملات، ويسخرون من هتاف التنظيم الإرهابي: "على القدس رايحين شهداء بالملايين"؟
 
 الإجابة ببساطة، أنّ غالبية ما يُكتب أو يُبث عن مصر من خارجها لا يعبّر عن واقعها، ومهما كانت الظروف صعبة على المصريين، فإنّ لديهم قناعة تامّة بأنّ كل ما يروّج له "الإخوان" مجرد أكاذيب او استغلال لكل ازمة وأي مشكلة، وأنّ هدف التنظيم وحلفائه ورعاته ليس تحقيق مصالح الشعب المصري وإنما هدم البلد على من فيه.
 
مهمّ جداً أن نتذكّر أنّ المصريين، كما حال غيرهم من أبناء دول عربية أخرى، كانوا يخشون تأثير محاولات "الإخوان"، وجهات أخرى تحالفت معهم، ودول دعمتهم، على تماسك الجيش ووحدته، ومن عاصروا تداعيات ما جرى في 25 كانون الثاني (يناير) 2011 وما بعده، تعجبوا من قدرة هذا الجيش على الصمود وسط أمواج متلاطمة من الإشاعات والأكاذيب ومحاولات التفتيت والتشتيت.
 
منتهى التناقض: صخب وضجيج، وأصوات عالية وتهديد ووعيد ودعوات إلى الثورة، والخروج إلى الشوارع والميادين، ومشاهد في قنوات "الإخوان" تعكس غضباً شعبياً واحتقاناً جماهيرياً، ومزاعم توزع بكثافة حول حصار مصر للفلسطينيين أو عزم الحكم بيع سيناء الى الفلسطينيين! وأخبار كاذبة عن فوضى عارمة تعصف بالبلاد، ومحلّلون استراتيجيون ورموز "إخوانية" فارون ومقيمون في الخارج، احتلوا أماكنهم في الاستديوهات ليعرضوا على العالم تجربة الجماعة الوردية في حكم مصر، والمآسي التي تعانيها البلاد الآن جرّاء إطاحة محمد مرسي من المقعد الرئاسي ونزع السلطة عن ذلك التنظيم الارهابي، وتنظير في شرح "البلاوي" التي هبطت على مصر جراء سياسات السيسي.
 
هكذا بدا الأمر عبر قنوات تلفزيونية "إخوانية" أو داعمة للجماعة، تبث من خارج مصر أثناء احتفائها بذكرى أحداث 25 كانون الثاني (يناير) 2011 ثم تنحّي مبارك، بشرت العالم ومحبّي "الإخوان" في كل مكان ورعاة الثورجية ودافعي فاتورة الفوضى، بأنّ ثورة آتية ستنفجر، وأنّ نظام الحكم في مصر شارف على السقوط!! في المقابل يبدو الواقع شيئاً آخر تماماً، فإذا انتهيت من جولتك على تلك القنوات ثم خرجت إلى الشوارع وجِلت في المدن المصرية، ستكتشف أنك كنت تشاهد فيلماً سينمائياً عنوانه "أحلام اخوانية" وأنّ العرض انتهى.
 
كان هناك مؤتمر شارك فيه عشرات المثقفين والسياسيين العرب حول سُبل مواجهة الأزمات العربية فكرياً وسياسياً وثقافياً، وفضّل غالبية الحضور التجول في القاهرة قبل أن يعودوا إلى بلدانهم، ليعيشوا واقع العاصمة المصرية، خصوصاً أنّ بعضهم ظلّ على مدى سنوات يتعرّض للآلة الإعلامية الضخمة لـ"الإخوان"، يحلّل ويضع "روشتات" لعلاج أمراض مصر، متأثراً بما كان يعتقد أنّه الحقيقة. اكتشف هؤلاء أنّهم كانوا ضحايا خدعة كبيرة، وأنّ ابتعادهم عن مصر جغرافياً وزمانياً لفترة، صوّر لهم أنّ "أمّ الدنيا" على وشك السقوط، وأنّ المصريين يعيشون أزمة كبرى، وأنّهم حين أتوا إلى مصر اعتقدوا أنّها ستكون المرّة الأخيرة.
 
على أرض الواقع، ورغم صعوبات الحياة، يعيش المصريون من دون فوضى أو تظاهرات أو صدامات، إلّا من صخب تجمعات المصريين الضخمة في الميادين والأندية ومراكز الشباب والمقاهي لمشاهدة مباريات الكرة مثلاً.
 
إنّه التناقض الذي يشعر به كل زائر لمصر، يراقب أحوالها من الخارج وتمنعه ظروفه من أن يتردّد عليها، فيرصد التطورات فيها عبر وسائل إعلام غربية ما زالت تعالج أوجاعها جراء سقوط حكم "الإخوان"، وأخرى "إخوانية" تعيش في عالم آخر تبث كل يوم الأكاذيب لتخلق صورة ذهنية لدى الناس مفادها أنّ مصر تقف فوق بركان سينفجر لا محالة، بينما السائر في شوارع المدن المصرية تصيبه الدهشة!! أما تلك الدعوة التي صدرت من عدد من المصريين الفارين والمقيمين خارج مصر، الى عصيان مدني، فأثارت سخرية من انتبهوا لها، فكل دعوة صدرت من "الإخوان" وكل الجهات والشخصيات التي يمتطيها التنظيم الارهابي للثورة أو لانتفاضة أو تظاهرة أو عصيان، لم تحظ إلا بالفشل. كل هذا لا يعني أنّ الحياة وردية في مصر، أو أنّ البلد يعيش في ظروف اقتصادية "مرتاحة"، أو أنّ المصريين انتهوا من سداد فاتورة مرور شظايا الربيع العربي فوق رؤوسهم، فالبلد فقير، وفقاً للتعبير الذي استخدمه من قبل الرئيس السيسي نفسه، لكنه يسعى للنهوض من عثرته، والمواطن يعاني لكنه لم يسلّم بلده لمن يسعى إلى تدميرها، والشعب يواجه الإرهاب ويسقط من أبنائه الشهداء، لكنه يدرك أنّ نَفَسه أطول من أنفاس الإرهابيين. القادم إلى مصر من خارجها سيدرك بعد أيام من وجوده بين شعبها، أنّ عودة "الإخوان" الى واجهة المسرح السياسي مجرد وهم كبير، فما بالك بعودتهم الى حكم أكبر بلد عربي... مجرد وهم كبير ونكتة لا تُضحك!!

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان 4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار