12-02-2024 | 05:40

​فرنسا تسعى إلى تحسين العلاقات بالمغرب... مع الجزائر أكثر تعقيداً

يبدو أن باريس قررت أخيراً العمل على التقارب مع المغرب بعد برودة في العلاقات بين البلدين منذ نصف العهد الأول من رئاسة ايمانويل ماكرون. وقال وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه لصحيفة Ouest France يوم السبت إن الرئيس ماكرون كلفه بتحسين العلاقة مع المغرب. ​
​فرنسا تسعى إلى تحسين العلاقات بالمغرب... مع الجزائر أكثر تعقيداً
Smaller Bigger
 

يبدو أن باريس قررت أخيراً العمل على التقارب مع المغرب بعد برودة في العلاقات بين البلدين منذ نصف العهد الأول من رئاسة ايمانويل ماكرون. وقال وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه لصحيفة Ouest France يوم السبت إن الرئيس ماكرون كلفه بتحسين العلاقة مع المغرب.
 
في نهاية تموز (يوليو) الماضي استدعى الرئيس ماكرون سفراء فرنسا في دول المغرب العربي: فرانسوا غوييت في الجزائر آنذاك وكريستوف لوكورتييه في المغرب واندره باران في تونس ومديرة الشرق الأوسط وشمال افريقيا في الخارجية الفرنسية آن غريو التي كانت في نهاية مهمتها على رأس السفارة في لبنان، للقاء معه تمحور حول كيفية تحسين العلاقات الفرنسية بدول المغرب لأنها  تعاني من تراجع مع كل هذه الدول.
 
وحاول ماكرون منذ 2021 تحسين العلاقات بالجزائر، ما اعتبره المغرب خطوة على حسابه. وزار ماكرون السنة الماضية نظيره الجزائري عبد المجيد تبون ثم ارسل بعد مدة قصيرة رئيسة وزرائه السابقة اليزابيت بورن على رأس وفد وزاري فرنسي كبير الى الجزائر وتم الاتفاق على معالجة قضايا الذاكرة وتشكيل لجنة مشتركة لدرس فترة الاستعمار تضم مؤرخين معروفين من الجانبين. وعقدت اجتماعات لم تسفر حتى اليوم عن نتائج. فالرغبة الجزائرية الحقيقية هي باعتذار فرنسا عن ما قامت به في الجزائر في فترة الاستعمار، وهو ما لم تفعله فرنسا.
 
عمل ماكرون الكثير من أجل انطلاقة جديدة للعلاقات الجزائرية - الفرنسية، لكنه كما أسلافه فشل في المسعى لأن هناك قيادات عسكرية جزائرية حاكمة لا تحبذ التقارب مع فرنسا مهما حاولت الأخيرة. هذا الفشل تبلور في عدم قيام الرئيس الجزائري بزيارة الدولة التي كانت متوقعة مبدئياً منذ شهر أيار (مايو) من السنة الماضية وتم تأجيلها باستمرار. وتزامنت محاولات ماكرون تحسين العلاقة بالجزائر مع القطيعة بين الجزائر والمغرب. وكانت العلاقات الفرنسية - المغربية   في العهود الماضية مميزة، إن كان في عهد الرئيس الراحل جاك شيراك أو في عهد نيكولا ساركوزي. لكن قضية تحديد التأشيرات الفرنسية لدول المغرب بعد رفض هذه الدول استرجاع مواطنيها الموقوفين في فرنسا أثرت سلباً على العلاقات مع جميع دول المغرب، ولم تتحسن العلاقة بالمغرب الا بعد زيارة وزيرة الخارجية السابقة كاترين كولونا للرباط.
 
كانت فرنسا أيضاً مستاءة من المغرب بعدما حصلت على معلومات تأكدت منها عن أن بعض الاستخبارات المغربية كانت تستخدم آلية التجسس الإسرائيلية "بيغاسوس" للاستماع الى هاتف ماكرون، رغم نفي الجانب المغربي.
 
البرودة في العلاقة بين ماكرون والعاهل المغربي محمد السادس ظهرت بوضوح عندما رفض المغرب مساعدة فرنسية بعد الزلزال الذي ضرب منطقة الأطلس المغربية. لكن بعد زيارة كولونا للمغرب بدأ ينكسر الجليد بين البلدين، خصوصاً أن العلاقة بالجزائر لم تشهد أي انطلاقة جديدة كما أرادها ماكرون. وقد أرسل العاهل المغربي سفيرة الى باريس هي سميرة سيتيل في نهاية السنة الماضية وستقدم قريباً أوراق اعتمادها الى الرئيس ماكرون.
 
كثيرون في فرنسا يؤيدون علاقات فرنسية - مغربية جيدة، خصوصاً أن الجالية  الفرنسية في المغرب جالية كبيرة. فللفرنسيين إقامات وسكن في مناطق عدة في المغرب وعدد منهم تقاعد، خصوصاً في مراكش والدار البيضاء وطنجة. كما أن بين الدبلوماسيين الفرنسيين عدداً كبيراً ممن يعتبرون أن على فرنسا أن تتمسك بموقفها المؤيد لخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية وأن تصحح العلاقة بالمغرب، خصوصاً أن جبهة "البوليساريو" هي ابتداع جزائري بحسب هؤلاء. حجة هؤلاء أنه كان ينبغي من زمن طويل تحمل مسؤولية الأزمة مع الجزائر حول الصحراء الغربية على نمط ما حصل بين إسبانيا والجزائر. وقد سبق لفرنسا أن أيدت الخطة المغربية للحكم الذاتي في اطار وحدة المملكة المغربية  لإنهاء النزاع على الصحراء الغربية وأيدتها أكثر من مئة دولة منها فرنسا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا والبرتغال وهولندا واللوكسمبورغ والنمسا والولايات المتحدة وعدد من الدول العربية في طليعتها السعودية ومصر والإمارات وقطر والكويت والأردن.
 
يتساءل عدد من هؤلاء الدبلوماسيين الفرنسيين عن جدوى الابتعاد عن المغرب وموقفه من الصحراء الغربية، وهو أصح من موقف الجزائر إذ إن عدد المغاربة الشماليين يفوق عدد الصحراويين وان المغرب لن يترك يوماً الصحراء الغربية.

سيجورنيه سيعمل بتوجيه من ماكرون على إزالة الفتور في العلاقات المغربية -  الفرنسية، علماً أن ماكرون في عهده الأول رغب ببدء جولاته الخارجية بالمغرب. لكن في عهده الثاني اهتم بدفع العلاقات مع الجزائر، خصوصا انه وصف خلال لقاء مع شباب في 2021 النظام الجزائري بأنه "نظام عسكري سياسي" بنى نفسه على الذاكرة وكراهية فرنسا، وتساءل حينها: "هل كان هناك وطن جزائري قبل الاستعمار الفرنسي؟ هذا هو السؤال"، ما أثار غضباً شديداً في الجزائر عمل على السعي لإزالته خلال زياراته، ولكن كما حصل مع كل الرؤساء الذين سبقوه بقيت العلاقات الفرنسية - الجزائرية متسمة بانعدام الثقة من الجانب الجزائري خصوصاً. وهكذا فقد تعاد العلاقات الفرنسية - المغربية الى مجراها الجيد بأسرع من تحسن العلاقات الفرنسية - الجزائرية التي يشوبها باستمرار تشكيك عميق من النظام العسكري الجزائري.