08-02-2024 | 05:30

"لعنة" الخيارات!

ربما يفاقم تزايد الاختيارات حيرة الخيارات بسبب التقدم التكنولوجي المتسارع. فبدلا من أن تختار منتجا إلكترونيا على الرف صارت الأرفف تئن من كثرة الخيارات التي تقذف بها الصين وغيرها. كما أن جودة المنتجات فاقت حدود تخيل البشر. فقد رأينا شاشات تلفزيونية يضربها الجمهور بمقامع من حديد، لكنها تأبى أن تنكسر أمام تلك المطارق. ​
"لعنة" الخيارات!
Smaller Bigger
لدى الإنسان ميل فطري نحو تجنب الخيارات. وهذا ما يبرر انزعاجه من التحديق في قائمة الطعام الطويلة (المنيو). ويرى يوسف حايك مؤلف "رجل القش" أن كثرة الخيارات تسبب عدم رضا المرء عن قراره، وتزداد ثقته به عند وجود اختيارات أقل.
 
يحتال المرؤوسون أو البطانة "غير الصالحة" بأن تمطرنا بوابل من الخيارات لتعقد آلية اتخاذ القرار الرشيد. ولذلك تضع الخيارات المبالغ فيها المرء أمام نقص بالثقة في النفس، بسبب وخز الضمير لعدم تأكده من رجاحة اختياره.
 
وربما يفاقم تزايد الاختيارات حيرة الخيارات بسبب التقدم التكنولوجي المتسارع. فبدلاً من أن تختار منتجاً إلكترونياً على الرف، صارت الأرفف تئن من كثرة الخيارات التي تقذف بها الصين وغيرها. كما أن جودة المنتجات فاقت حدود تخيل البشر. فقد رأينا شاشات تلفزيونية يضربها الجمهور بمقامع من حديد، لكنها تأبى أن تنكسر أمام تلك المطارق.
 
كل ذلك يزيد من حيرة الإنسان العادي ناهيك بالمتخصص. كنا في السابق نشتري المذياع، أو التلفاز، أو الفاكس، فنمضي بسرعة لقلة المعروض، وربما لجهلنا بالتقنية. غير أن الزبائن في عصرنا صاروا يسببون صداعاً للباعة فيأتيك أحدهم وقد قرأ تفاصيل المنتج بعمق عبر عشرات المنتجات في الإنترنت، وفهم قصور منتجه مقارنة بالمنافسين فتبدأ حفلة الأسئلة، ومعها حيرة البائع الذي لا يبدو أنه صار يجاري ثقافة المشتري، ودوامة الخيارات التي شغلت الناس. يقود ذلك خلف الكواليس تنافس علامات الجودة في تسابق محموم لتتويج المصانع بأفضل المعايير الحديثة التي تضمن دقة كل منتج يخرج من أسوار المصنع ومتانته.
 
ودخل على خط تفاقم حيرة الخيارات، ما يسمى بـ"تجربة العميل" التي يقيس بها المسوقون مشاعرك وانطباعاتك منذ اللحظة الأولى لإلقاء التحية حتى ما بعد البيع. تلاحقك روابط الاستبانات التي تستجدي تقييمك أملاً في النهوض بالأداء. في آخر زيارة لي لأبو ظبي، أغلقت باب السيارة مغادراً الفندق، فالتفت من النافذة، لأجد حامل الأمتعة يودعني بابتسامة عريضة، ثم يشير بسبابته إلى صدره حيث لافتة صغيرة كتب فيها اسمه. لم أفهم مقصده، فتحت النافذة لأستفهم مراده فقال: لا تنس أن تذكر اسمي في تقييمك بالإنترنت! لم تكفه الإكرامية، بل حرص على أن يعرف الجميع أنه يقدم أقصى ما يمكنه لإسعاد النزلاء! فقد زاد في الواقع من معاناة خياراتنا لأن الجودة أضحت سمة تنافسية سائدة في فنادقنا وخدماتنا.
 
أرى أن الخيارات نعمة تستحق الشكر. لكن البعض يسميها "نقمة" أو "لعنة"، أو مفارقة كما في أدبيات الانحيازات الإدراكية أو Paradox of Choices. وبالفعل إن لم نعلّم أبناءنا على حسن المفاضلة وآلية اتخاذ القرارات والتفريق بين الجوهرية والعرضية، فإن الأجيال المقبلة ستعاني بشدة بسبب وفرة الخيارات التي لا يبدو أنها ستقل. 
 
 
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية