30-01-2024 | 05:00

عقاب محكمة العدل بحصار "أونروا"

لا أمل في قرارات أممية او حتى مواقف عربية لوقف الحرب او حتى كبح جماح الغرب في عقاب "اونروا"، فإسرائيل تعتبر نفسها من الكبار الذين صنعوا المنظمات الدولية وأقروا القوانين الجنائية لتطبق على الصغار من دون ان تمس مصالح القوى الكبرى.
عقاب محكمة العدل بحصار "أونروا"
Smaller Bigger
لا يمكن اعتبار قرار محكمة العدل الدولية بشأن الدعوى التي أقامتها جنوب أفريقيا للمطالبة بوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وإدانة إسرائيل بالإبادة الجماعية بمثابة الإنجاز، لأنه لم يصل إلى حد وقف الحرب وتعطيل آلة القتل، لكن لا يتعين أبداً تجاهله أو التقليل من آثاره، فجنوب أفريقيا انتزعت اعترافاً بأن هناك أسساً لاعتبار ما ترتكبه إسرائيل في غزة إبادة جماعية، والاستهانة بقرار المحكمة تصب في مصلحة إسرائيل التي هاجمت إجراءات المحكمة منذ بدايتها ودانت القرار بعد صدوره واعتبرته لا يعني شيئاً.
 
كل الجهود والتحركات السياسية والاحتجاجات الشعبية لم توقف الحرب، فالجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت قرارت بهدن إنسانية ولم تتحقق، ومجلس الأمن بعد فشل متكرر أقر بهدنة لكن بقي القرار في أدراج المجلس مع عشرات القرارات التي أصدرها بشأن القضية الفلسطينية على مدى عقود وعطلتها إسرائيل، ورغم الحديث عن ضغوط أميركية مورست ضد إسرائيل ومناشدات غربية سُلّمت إلى الدولة العبرية تستجدي كلها هدنة لتسهيل إدخال المساعدات والوقود وإجلاء الجرحى والمصابين من المستشفيات المحاصرة، إلا أن الحقيقة أن إسرائيل قبلت بالهدنة فقظ لتعثّر جيشها في غزة وفشله في العثور على المحتجزين، وارتباكه في تنفيذ الهدف الأول المعلن للحرب وهو القضاء على "حماس"، وارتفاع وتيرة الاحتجاجات الداخلية بين أهالي المحتجزين والمتعاطفين معهم، وحين وجدت موقفاً صارماً من المقاومة بشأن باقي المحتجزين استأنفت القتل والحرق التهجير والتجويع والتعطيش.
 
صحيح أن الرئيس الأميركي بايدن أراد الهدنة لينقذ نفسه من ضغوط المتعاطفين مع فلسطين وسطوة المؤيدين لإسرائيل، لكنه هو نفسه كان يساهم كل يوم عبر تصريحاته ومواقفه في تأجيج العدوان وتسخين الإسرائيليين، وحقيقي أن الغرب صدمته مشاهد المجازر ووقائع المذابح فتمنى تأجيلها إلى مرحلة أخرى حتى يلملم بقايا مبادئه التي تناثرت بفعل الولاء لأميركا والخنوع لإسرائيل، لكن رغبات بايدن وأمنيات الغرب لم تكن تترجم إلى واقع إذا ما كان الجيش الإسرائيلي اعتقل السنوار أو ضيف أو حصل على رهائنه بعد معركة أو قتال، أو تعطلت صواريخ "حماس" وتوقفت عن الوصول إلى المدن الإسرائيلية وصمتت أسلحة القسام وانطفأ بارودها. نعم تغيّرت اللهجة الأميركية ولم تتغير السياسة بفعل مشاهد المأساة الفلسطينية، وكلام بايدن وتصريحات أقطاب إدارته دائماً تتناول مرحلة ما بعد انتهاء الحرب من دون أن تحدد أفق المرحلة المقبلة ولم تطرح أبداً خريطة طريق تتطلب آليات الانتقال إلى عملية سلام، لكن الرغبة في التنكيل بالفلسطينيين لم تتوقف، فكانت الإجراءات ضد "أونروا" رداً على إجراءات محكمة العدل وقراراتها لعقاب المحكمة وتوفير أسباب أكثر للموت للفلسطينيين.
 
صحيح أن قرار محكمة العدل لم يتضمن وقفاً لإطلاق النار، وحقيقي أن إسرائيل تنتهك ميثاق الأمم المتحدة بالقتل والعقاب الجماعي لسكان غزة، لكن الحكم النهائي في دعوى الإبادة ليس الآن وتسبقه إجراءات، وما زالت إسرائيل تواجه تهمة الإبادة الجماعية التي لم تسقط بعد، لكن القرار تضمن أوامر إلى إسرائيل بوقف القتل والتدمير والحصار والتجويع ورفع تقرير بذلك خلال شهر من تاريخ صدوره، كما أن المحكمة لم تصف ما تفعله إسرائيل بالدفاع عن النفس بل بجرائم غير مقبولة يجب أن تتوقف خلال شهر، وأكدت أن إسرائيل مُلزَمة بوقف أي تصريح عدائي من وزرائها المتطرفين، كما أن المحكمة مستمرة في نظر الدعوى، وإلى أن يصدر الحكم النهائي ستبقى إسرائيل متهمة بالإبادة الجماعية.
 
يبدو الرأي العام الإسرائيلي منقسماً بشأن القرار، ويجري تفسيره من البعض على محمل إيجابي مؤيد للدولة العبرية، ما يشير إلى أن هؤلاء ركزوا على عدم إدانة إسرائيل بالإبادة الجماعية وكذلك بسبب غياب حكم بوقف إطلاق النار، ولأنهم غضّوا الطرف عن بقية النقاط، وعموماً أتى القرار بما لا يحقق الطموحات الفلسطينية، لكن من إيجابيات المحاكمة حرص القضاة على أن تكون لحُكمهم فاعلية على الأرض من خلال الأمر بالتدابير المطلوبة لوقف العنف، أو أن حربها ضد الفلسطينيين دفاع عن النفس.
 
لا أمل في قرارات أممية أو حتى مواقف عربية لوقف الحرب أو حتى كبح جماح الغرب في عقاب "أونروا"، فإسرائيل تعتبر نفسها من الكبار الذين صنعوا المنظمات الدولية وأقروا القوانين الجنائية لتطبق على الصغار من دون أن تمس مصالح القوى الكبرى، خصوصاً أن إحدى أهم المعضلات التي يواجهها الغرب تتعلق بغياب القدرة على الفصل بين مبادئه وتراثه الديموقراطي ودعمه للحريات، وبين تعامله مع الدولة العبرية، وإذا أضفنا إليها المعضلة الأخرى الأهم وهي استخدام تهمة ممارسة العنف أو الإرهاب عمداً حين يكون موجهاً ضد حكومات أو أنظمة مطلوب إسقاطها أو استنزافها أو ابتزازها، وإدانته والعمل على مواجهته ومطاردة القائمين عليه إذا ما اقترب من مصالحها ومواطنيها، بينما رئيس أكبر دولة في العالم يصرح علناً بأنه "لو لم تكن هناك إسرائيل لأقمناها" ووزير خارجيته يقدم ديانته على موقفه حلاً للمشكلة المعقدة! فيكون طبيعياً أن يظل الغرب كله يلعب على التناقضات ما بين سنّة وشيعة، ومسلمين ومسيحيين، ودول متقدمة وأخرى متخلفة، وبين تحضّر وتخلّف، وتعليم وجهل، وغنى وفقر، ويدفع العرب ثمناً باهظاً لإسرائيل وكذلك الولايات المتحدة وباقي منظومتها الغربية.
 
قبل أكثر من عام أفرزت الانتخابات الإسرائيلية هذه الحكومة، ما أثار تحفظ الإدارة الأميركية لأسباب تتعلق بشخصية نتنياهو وتركيبة الحكومة التي اختارها، وحاولت إدارة بايدن في بداية العدوان على غزة حفظ وجه إسرائيل وتبييض جرائمها، وتحت ضغط مشاهد المأساة الفلسطينية وسخونة الشارع الغربي تغيّرت اللهجة دون المواقف بعدما وجد رجل البيت الأبيض أن الوضع صارخ وقد تكون له كلفة انتخابية، خصوصاً أن أهداف إسرائيل من العدوان كانت بالغة التفاؤل: إطاحة "حماس" والأسرى، بينما لم يقدم نتنياهو ما يعطي الشرعية للحرب أمام الشارع الأميركي، وزادت القناعات بأنه لن يقدم شيئاً إنسانياً لإرضاء الأميركيين، بينما بايدن وجد أن الجمهوريين تركوه من دون أن يهاجموه طوال الحرب، إلا نادراً، ليواجه مصيره بين معارضي الحرب ومؤيدي إسرائيل لأنهم في الحزب أيضاً يؤيدون إسرائيل. 
 
عامل الغرب محكمة العدل و"أونروا" معاملة كل شخص أو جهة أو دولة ساندت الحق الفلسطيني لتستمر المأساة ذات التراث التاريخي المؤلم، وفي ظل عجز عربي متواصل لعقود، هيمنت "حماس"، بدعم من دول عربية، على غزة، بينما استمرت سيطرة السلطة الفلسطينية على الضفة الغربية بدعم من دول عربية أخرى، وتصور كل طرف أن القضية هي السلطة، واختزل الطرفان القضية في السيطرة على محيطهما وعيناهما على منظمة التحرير، وصحيح أن أبو مازن اعتبر المقاطعة هي فلسطين و"حماس" أوجدت في الأنفاق فلسطين أخرى من دون النظر إلى الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، وذلك يؤكد أن المستقبل يحتاج إلى جيل جديد يؤمن بالوحدة وأن لا حل من دون الوحدة الفلسطينية وتقديم الوطن على السلطة، لكن لا تغير سيحدث قبل أن تتوقف الحرب وتصمت المدافع والصواريخ... والموت.

 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان 4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار