تعتمد إسرائيل الأكاذيب وسيلة لترسيخ وجودها ضمن نسيج جغرافي في إطار المحيط العربي، صحيح أنّها تُواجه دائماً بحائط صدّ يفنّد الادّعاءات ويدحض المزاعم ويكشف الحقائق، إضافة إلى تيار يسري بين الشعوب العربية، رافض أصلاً لوجود الدولة العبرية ومعارض دائماً لمحاولات التطبيع معها، لكنها وجدت، منذ عصفت بالمنطقة العربية أعاصير ما سُمّي بالربيع العربي، طرفاً اضطلع بمهمّة تثبيت الأكاذيب ونشرها وتحويلها إلى حقائق لدى عقول أرادت ان تعتمد الروايات الإسرائيلية للإساءة إلى الأنظمة ثم الشعوب العربية.
الهدف مشترك: تفتيت الدول العربية ونشر الفتن بين الشعوب، ليسهل على اسرائيل السيطرة على المنطقة بأكملها، بينما الطرف الآخر، تنظيم "الإخوان" الإرهابي، يسعى الى إحكام قبضته على كل دولة عربية بعد أخرى!.
دعك هنا من شعارات يطلقها "الإخوان" لمغازلة عواطف الشعوب العربية ومشاعرها، فالتنظيم مستعد للتحالف مع أي دولة أو جهة أو شخص لديه رغبة أو قدرة على إيذاء الدول العربية وشغلها عن السير في مسارات التنمية او تحقيق مصالح شعوبها، لذلك فضحت أحداث الأسبوع الماضي تقاطع المصالح بين الشريكين في السرّ أصحاب المواقف العدائية في العلن.
ومثّلت مرافعة محامي الدفاع الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية للردّ على محامي الادعاء لجنوب إفريقيا، نقطة انطلاق لتعاون جديد بالهجوم على مصر، وتغاضى "الإخوان" عن الأكاذيب الاسرائيلية التي وردت ضمن المرافعة التي تضمنت نفياً للمجازر والمذابح والتطهير العرقي والإبادة الجماعية والتهجير القسري والتجويع والتعطيش والاعتداء على المستشفيات وتدمير البنية التحتية، واتهامات للمقاومة بالقتل والحرق والاغتصاب والاختباء بين المدنيين، وأمسكت منصّات التنظيم في كذبة واحدة، واعتبروها دليلاً دامغاً على تورط مصر في منع مرور المساعدات إلى سكان قطاع غزة، عندما زعم محامي الدفاع الاسرائيلي أنّ مصر وحدها مسؤولة عن معبر رفح ومرور المساعدات منه، وأنّ إسرائيل لا علاقة لها بعرقلة وصول الأغذية والأدوية والوقود إلى سكان القطاع!.
سريعاً، نشطت المنصّات وجيش عناصر التنظيم الإرهابي أنفسهم وتوقفوا عن عزف هتاف "على القدس رايحين شهداء بالملايين" وبدلوه بغناء قصيدة معبر رفح.
في اليوم التالي خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتصريحات هاجم فيها المحكمة، وكرّر ما ورد في المرافعة، وردّ على سؤال حوّل نية الجيش الإسرائيلي اقتحام محور فلادلفيا، الذي يقع في الجانب الفلسطيني على الشريط الحدودي مع مصر، وقال: "لن ننهي الحرب من دون إغلاق الثغرة في محور فلادلفيا، وإلاّ فإنّ دخول الأسلحة سيتواصل". هنا صمت "الإخوان" وتجاهلوا أن نتنياهو يتهم مصر ضمنياً بالتغاضي عن تهريب الأسلحة إلى حركة "حماس" وباقي فصائل المقاومة.
لا يخجل "الإخوان" من فضح اكاذيبهم، بل أحياناً يفخرون بفضائحهم لأنّها، بحسب ما تلقّنوه، هدفها الخير والتقرّب الى الله ودخول الجنة والفوز بحور العين. أما إسرائيل، فتدرك أنّ الحقيقة تهدّد وجودها وتفضح مزاعمها وتكشف جرائمها وتُفشل خططها للمستقبل، ومحامي الدفاع أمام محكمة العدل الدولية سعى إلى دحض الحقائق التي وردت في مذكرة الادعاء في القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا بفيض من الأكاذيب، معتمداً عبارة جوزيف غوبلز "كلما كبرت الكذبة كان تصديقها أسهل"، والتي أطلقها من دون أن يروّجها له عناصر "الإخوان"، ولم تكن بين يديه آليات كثيرة يضخّم بها أكاذيبه أو يروّج عن طريقها ابتكاراته أو ينشر من خلالها خدعه وألاعيبه، فالرجل الذي تولّى إدارة إعلام هتلر في الحرب العالمية الثانية أتى في عالم لم يكن يعرف التلفاز أو شبكة الإنترنت السرطانية ومواقع التواصل الاجتماعي والتفكّك الوطني أو أجهزة الهاتف النقّال وما تحويه من برامج تمكّن صاحبها من اختراق الحدود والأزمان والحياة الخاصة للآخرين. كان غوبلز يكذب كذبه وينشره ويكبّره عن طريق الإذاعة أو الصحف أو جواسيسه، ويروّج الشائعات مستخدماً أسلوب الاتصال الشخصي والجماعي الذي يحتاج وقتاً أطول ومجهوداً أكبر وطرقاً أصعب.
خسر الألمان الحرب وهُزم هتلر ومات غوبلز وتغيّر العالم وتطورت آليات الكذب ووسائله وابتكر الأميركيون، الذين انتصروا في الحرب العالمية الثانية، وسائل أكثر تأثيراً في اختراع الكذب وتطويره ونشره. كان أول القصيدة يُنبئ عن الخداع إذ أسموها "مواقع للتواصل" ولم تنتج حتى الآن إلاّ تفككاً وتشرذماً واستقطاباً! توارت فوائدها الإيجابية القليلة أمام أهوال ومصائب وكوارث على الأصعدة كافة عصفت بمجتمعات وشتت ملايين البشر وقسّمت دولاً وأطاحت أنظمة وحكومات، وطالت أضرارها شعوباً كانت آمنة، وإن عانت غياب الديموقراطية فاستقرّ بها المقام في البحث عن أماكن الإيواء أو الموت غرقاً على سواحل أوروبا أو السجن الاختياري في معسكرات المهاجرين غير الشرعيين في دول الغرب.
طرحت تلك المواقع تنظيم "الإخوان" الإرهابي كجماعة دينية او فصيل سياسي معارض او تنظيم سلمي، كما عرضت الخونة كأصحاب مواقف عظيمة ونخب، وأظهرت الحمقى والمهاويس نجوماً وقادة رأي، وجعلت الصخب والطبل والضوضاء أنغاماً وطرباً ونظريات وسعت إلى تحريك الجموع وصنع الحشود ووقوع الصدامات.
استنفرت أوروبا بل الغرب كله لدعم اوكرانيا في حربها ضدّ روسيا مادياً ومعنوياً، وتعاطفت دول عربية، وبعضها لها علاقات طيبة إن لم تكن وطيدة مع الدب الروسي، وهو السلوك نفسه الذي اتبعه العرب حين تعرّضت فرنسا العام 2015 لعمليات ارهابية حيث بعثت بممثلين عنها للمشاركة في مسيرة صامتة في العاصمة الفرنسية احتجاجاً وإدانة للإرهاب.كان سلوكاً جيداً، واعتبر زعماء الغرب وقتها أنّه تصرف عاقل وواجب محمود. لكن على الجانب الآخر من المتوسط هناك مواطنون عرب يصارعون إرهاب دولة عنصرية يحكمها يمين متطرّف حولت مدنهم الى جحيم وشوارعهم الى حمم وأجسادهم الى أشلاء، فكانت وجهة نظر الغرب وتصرفاته وسياساته أنّ من حق اسرائيل أن تدافع عن نفسها!.
قضية فلسطين ومآسي غزة لا يتمّ التعامل معها دولياً بمعيار واحد، وتلك هي المشكلة، فدول وحكومات وأجهزة استخبارات تدعم اسرائيل وتسمح لها أن تستخدمهم من دون اعتبار للحقيقة الدامغة التي تتأكّد كل مرّة بأنّ الدولة العبرية تمارس وعلى الهواء إرهاباً لا حدود له! انّه المعيار نفسه الذي استخدمه الغرب في التعاطي مع إرهاب "الإخوان" في مصر ودول أخرى، فبدلاً من إدانة سلوك ذلك التنظيم الإرهابي، كانت المبررات تُطرح والاتهامات للأنظمة الحاكمة تُوزع، ويبدو أنّ "الإخوان" يسعون الآن الى ردّ الجميل والرقص على إيقاع الأكاذيب الإسرائيلية وتبييض وجه إسرائيل والتغطية على جرائمها، وفي الوقت نفسه استخدام الدم الفلسطيني الطاهر في تصفية الحسابات مع شعوب ساندت، وما زالت، القضية الفلسطينية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان
4/29/2026 10:32:00 AM
هل ستُهاجم إسرائيل العاصمة بيروت؟
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
نبض