من أكثر ما يثير إحباط الناس، الحجج الواهية التي يضعها متخذ القرار ليؤخّر أو يبرّر أو يتملّص من الزيادات على الأجور. من بينها مثلاً معضلة الأقدمية. فمعظم الجهات تقدّم للعاملين زيادةً في الأجور مرتبطة بسنوات الخبرة.
غير أنّ الخطورة تكمن في ما إذا كانت الزيادة كبيرة جداً، فتنافس الزيادة المرتبطة بالأداء. هنا قد يتسلّل الكسل إلى الموظفين على اعتبار أنّهم سينعمون بالزيادات من دون حاجة لجهد إضافي. خصوصاً إذا كان تحقيق "الامتياز" في الأداء مضموناً ما دام المرء يبصم بشكل منتظم! فالباحث المتراخي مثلاً إذا ضَمَن زيادة الأقدمية أكثر من زيادة الأداء فلن يكترث بالبحث العلمي، ولن يتحمس البائع إلى تحقيق أهدافه، ولن يتطلع الشاب إلى تطوير قدراته... وهكذا.
ومن أقدم فلسفات زيادة الأجور ارتباطها بما يُسمّى بسلّم الرواتب. وهو باختصار نطاق سعري لراتب كل وظيفة. فمهما اخترق أداء الموظف سقف الطموحات لن يستطيع الحصول على ليرة واحدة ما دام راتبه قد بلغ "آخر المربوط" (سقف شريحة منصبه أو مسمّاه الوظيفي). ولذلك تجد المدير يقدّم كلاماً معسولاً للموظفين الذين لا يدركون أنّ أي زيادة في رواتبهم تتطلّب ترقية في المنصب أو المسمّى، وهو ما لا يستطيع عمله لأسباب عدة، منها ما هو مرتبط بتوجه الإدارة العليا أو الوضع المالي للمؤسسة أو الاقتصاد.
ولذلك، ما أن ينتبه الموظف إلى هذه المعلومة قد يسارع إلى البحث عن فرصة وظيفة أخرى. إذ يمكن لمتخذ القرار في الجهة الجديدة تقدير خبرته، وكفاءته، ومؤهلاته لوضعه في منصب إشرافي أعلى أجراً مما يتقاضاه حالياً.
قلنا في المقال السابق (فلسفة الأجور- 1) إنّ تحقيق العدالة الكاملة في مسألة التعويضات المالية (ومنها الأجور) تكاد تكون صعبة لارتباطها بعوامل خارجية كالوضع المالي ومزاجية المسؤول ومدى قربك وبُعدك من توجّهه!.
ولذلك، تبقى أمامنا ضرورة التفكير الجدّي في ربط الزيادة في الأجور بالأداء، واستحداث نظام مكافآت وحوافز عصري، وتحسين المزايا الحالية، ورفع مستوى التدريب المهني لتبرز مهارات كامنة في بعض الموظفين تبرّر لنا منحهم زيادات في رواتبهم. مثل الصحافي الموهوب، الذي فوجئت إدارة التحرير من أنّه بعد الدورة المكثفة صار يكتب برشاقة منقطعة النظير للشاشة. والكتابة للشاشة فن يختلف عن الكتابة للمطبوعات. فلا بدّ أن يجاري النص ما يتخيّله الكاتب من صور وفيديوات يمكن الاستعانة بها.
كما أنّه يستطيع بكلمتين مع لقطة، توفير 100 كلمة من الوصف. مثل أن يستهل تقريره بعبارة: "هذه الأحياء القديمة"، فتكفي مع اللقطة لشرح تفاصيلها.
نستطيع القول إنّ الأجور هي القضية المسكوت عنها، بالرغم من أنّها تتحكّم بمصائر الناس وتقف وراء الكثير من التحدّيات التي يواجهونها في العمل وخارجه. فعدم تقدير ما يستحقه المرء بناءً على معطيات السوق وليس المزاجية، يؤدي إلى تسرّب الكفاءات أو تدهور معنويات المضطرين للبقاء لاعتبارات ذات صلة بالوضع الاقتصادي الخانق.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض