بغض النظر عن تداعيات الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والخسائر البشرية والمادية والدمار بسبب القصف الجوي ثم مجازر الاجتياح البري، وكذلك مستقبل القطاع وعملية السلام والخطط الإسرائيلية التي خرجت من الأدراج وكشفت نوايا التهجير وابتلاع ما تبقّى من الأراضي والمستقبل الجيوسياسي للمنطقة كلها، فإنّ جانباً إيجابياً لا يجب ابداً إنكاره او التغاضي عنه او الإهمال في البناء عليه، ويتعلّق بالتوهج الذي استعادته القضية الفلسطينية.
صحيح أنّ الثمن فادح جداً، لكن يفترض الاّ يكرّر العرب خطأ تفويت الفرصة واستثمار الألم والوفاء للدماء التي تروي الأرض الفلسطينية، بإعادة القضية مجدداً الى الواجهة، وإضافة مسار آخر إلى مسارات الجهود العربية في التصدّي للدعاية الإسرائيلية والتواطؤ الذي تمارسه وسائل إعلام أميركية وغربية، والتنبّه الى أنّ الصراع لن ينتهي بتوقف الحرب، ولا بدّ من تفعيل الحقوق الفلسطينية وتكثيف الحضور الإعلامي للقضية الفلسطينية، وشرح معاناة الفلسطينيين والجرائم الإسرائيلية، لأجيال جديدة نشأت في الولايات المتحدة وأوروبا، وهي لم تكن تعرف عن الفلسطينيين أكثر من معرفتها بتفاصيل كرة القدم والكوارث الطبيعية، لكن الجرائم المروعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي ضدّ اهل، غزة نبّهتهم الى أنّ واحة الديموقراطية في الشرق الأوسط ليست الاّ آلة ضخمة لا تعرف قانوناً او أعرافاً، وتسحق كل مفردات الإنسانية وتفاصيلها.
مع بداية الحرب على غزة نجحت إسرائيل في مخاطبة الغرب عقب أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، واستغلت بعض المشاهد المصوّرة بواسطة مقاتلي "حماس" في تحفيز الغرب وتحريض وسائل الإعلام هناك، ليس فقط ضدّ "حماس" ولكن أيضاً تجاه كل ما هو فلسطيني، وبمرور الوقت وللتغطية على المجازر التي نصبها الجيش الإسرائيلي للفلسطينيين، زادت الدعاية الإسرائيلية على ما جرى بصور وأفلام ومواد دعائية، ودعمتها بتصريحات أميركية رسمية، فوضعت العرب في موقف ردّ الفعل، وبَذَل السياسيون مجهوداً كبيراً في أروقة وقاعات المنظمات الدولية لتحسين الصورة وعرض مشاهد المذبحة وخروقات الجيش الإسرائيلي لكل قوانين الحرب والتزامات الاحتلال تجاه الشعب المحتل، بينما ظل الإعلام العربي غالباً ما يتحدث إلى الشعوب العربية!.
قد يكون لدى الدول حساباتها وللسياسيين توازناتهم وللشعوب مشاعرها وعواطفها، لكن أين الخطط بعيدة المدى لتغيير القناعات والقصيرة الأجل لدفع شعوب الدول الغربية الى الضغط على حكوماتها، وأين القوى الناعمة للعرب؟ وأين الأفكار التي تتجاوز ركوب موجة الأحداث أو الاكتفاء بالدعم المعنوي والإدانة والشجب وإظهار الغضب، وكلها مظاهر طيبة، لكنها غير مؤثرة لدى الغرب الذي لا تحرّكه سوى المصالح او الضغوط التي قد تأتيه من داخل مجتمعاته.
يكفي العرب كل الفرص الضائعة التي فاتتهم او تغاضوا عنها أو لم يتنبّهوا لها، والذاكرة مليئة بمخزون ضخم من المناسبات التي كان يتعيّن التعامل معها ولم يكن هناك أي تعامل! والأحداث التي كان يلزمهم استغلالها ولم يكن هناك أي استغلال، حتى أنّ في بعضها واصل العرب عادتهم في الاختلاف والتراشق والتخوين من دون ان يتنبّهوا الى أنّ ما لا يدرك كله يمكن الاّ يترك كله، أم أنّ الأخطاء ستتكرّر وسيبقى العرب يتسولون قراراً أممياً بهدنة، أو يحلمون بموقف اميركي منصف للفلسطينيين، او يأملون في عاصفة تطيح اليمين الإسرائيلي ليأتي إلى حكم الدولة العبرية صنّاع السلام، أو ستنتظر الشعوب ان يحول المتأسلمون شعارهم "على القدس رايحين شهداء بالملايين" واقعاً، فلا يجدوه سوى سراب يتبدّد مع كل اختبار او محك او صدام مع إسرائيل.
وإذا كان العجز ضرب الساسة، فهل تنبّه المثقفون والمبدعون والسينمائيون العرب وندموا على ما فاتهم واعترضهم، او تجاهلهم، أول حضور عالمي للقضية الفلسطينية عام 1984 من خلال السينما في فيلم "حنا ك" Hanna k للمخرج الفرنسي من أصل يوناني كوستا غافراس، الذي تعاون مع السيناريست الإيطالي فرانكو سوليناس في ذلك الشريط السينمائي، عن قصة تتمحور حول مبادرة المحامية الأميركية من أصل يهودي حنا كوفمان (لعبت الشخصية جيل كلايبرغ) للدفاع عن الشاب الفلسطيني سليم بكري (أدّى الدور الممثل الفلسطيني محمد بكري) الذي اعتقلته القوات الإسرائيلية بتهمة الإرهاب بينما كان عائداً إلى بيته، وهو الشاب الفلسطيني الذي طُرد من بيته مع عائلته حين كان طفلاً، إلى مخيمات اللجوء في الضفة الغربية ولبنان، وقامت القوات الإسرائيلية بعدها بهدم المدينة ليبقى منزله قائماً، فكان طبيعياً أن يحاول زيارته أكثر من مرّة، مزوداً بوثائق تؤكّد ملكيته للعقار، وبعد طرده مرات عدة إعتقلته الشرطة الإسرائيلية بتهمة الإرهاب، ووافقت على تعيين محامية للدفاع عنه لأنّها أميركية الجنسية لكنها يهودية بولندية، وفوجئت المحكمة بدفاع شرس للمحامية حنا كوفمان عن حق سليم في بيته والعودة إليه، فتسببت في إحراجات للسلطات الإسرائيلية مع ظهور الموقف الإيجابي للمحامية اليهودية من قضية الفلسطيني سليم.
عُرض الفيلم ومدته 111 دقيقة للمرّة الأولى في 7 أيلول (سبتمبر) 1983 في الصالات الفرنسية، وحاربته اسرائيل على كل المستويات واتهمت الفيلم والعاملين فيه باللاسامية، وعلى رأسهم مخرجه وكاتب السيناريو سوليناس، ما أدّى الى سحب الفيلم من دور العرض السينمائية بعد إثارته الكثير من الاعتراضات.
في "حنا ك" كان انتصار كوفمان في القضية التي عرضها الفيلم هزيمة للمنطق الصهيوني الذي تقوم عليه إسرائيل، فتركّز الغضب الإسرائيلي والغربي تجاه غافراس في كونه أظهر فلسطين المحتلة بأنّها ليست مكاناً آمنًا أو جنة اليهود الموعودة كما كان يُروّج لها في الغرب في تلك الفترة، فهناك تواجد أمني مكثف في كل الأماكن، ما يجعل حياة المدنيين اليهود غير مريحة بالتأكيد، إضافة إلى التهديدات المستمرة لحياتهم، وظهر ذلك في مشاهد متعددة، أهمها مشهد الشاطئ حيث تستجم المحامية مع أصدقائها، لنجد أنّه حتى مكان الترويح عن النفس يجب أن يكون مؤمّناً بجنود من الجيش الإسرائيلي.
المهم انّ أحداث الفيلم بُنيت على حق العودة للفلسطينيين الذين هُجّروا من مدنهم وقراهم ومنازلهم قبل نكبة 1948. لاحظ هنا انّ العرب يخشون الآن نكبة أخرى تتعلق بالفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، ولاحظ ايضاً انّ الفيلم الذي تعرّض عند عرضه لهجوم من الأوساط الإسرائيلية وبعض الدوائر الغربية، كان سبباً في خلافات عربية ايضاً! إذ استنكر بعضهم نهاية الفيلم التي خلصت إلى ضرورة العيش بين الإسرائيليين والفلسطينيين في أراضي 1948! حتى في مصر، التي كانت وقّعت قبلها اتفاق سلام مع اسرائيل، لم يخل المؤتمر الصحافي لأبطال الفيلم ومخرجه عند عرضه في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي 1983 من خلافات بين مؤيّديه ومعارضيه، وصلت حدّ اتهام مؤيّديه بخيانة القضية الفلسطينية!.
انشغلت المجتمعات العربية طويلاً بمؤامرات "الإخوان" وإجرام "الدواعش" وتحالفات النشطاء مع أجهزة الاستخبارات، فيما انهمك المبدعون العرب في البحث في سرديات مشتركة بين "الإخوان" وإسرائيل، وفاتهم، على وقع المجازر الإسرائيلية في غزة، أن يسألوا أنفسهم: كم قصة واقعية حقيقية ضمن الأهوال التي يتعرّض لها أهل القطاع يمكن كتابتها وصياغتها وعرضها، ليترسّخ في عقول الناس حق الفلسطينيين في الحياة الذي حوّلته إسرائيل حقاً لها في قتلهم وتشريدهم وتعطيشهم وتجويعهم؟ والانتباه في الوقت نفسه إلى القواسم المشاركة التي تربط أدبيات "الإخوان" بالأفكار الصهيونية، والتي كانت إحدى أسباب تفكّك العرب وضعفهم وغياب تأثيرهم.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان
4/29/2026 10:32:00 AM
هل ستُهاجم إسرائيل العاصمة بيروت؟
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
نبض