لا بد من أن نعترف كمتخصصين في الإدارة بأنه ليس هناك عدالة شاملة في الأجور والتعويضات المالية المقدمة للموظفين حول العالم. قد تبدو مبالغة، لكنه واقع الحال. فما دام هناك عنصر بشري يُقدِّر، ويُحب، ويَكره، ويُقصي المتفانين في العمل لأنهم لا يوافقونه الرأي، فسيبقى الشعور بمرارة عدم عدالة الأجور قائماً.
نحن نقول مجازاً "الأجور" لكنها في المصطلحات المالية والإدارية الدقيقة هي "تعويضات" compensation وهو مفهوم أشمل وأدق. ولذلك حينما نعرض منصباً رفيعاً لرئيس تنفيذي أو مدير عام نزوده بعرض التعويضات.
هناك شقان منها: المادية كالأجر (الراتب)، ومكافأة نهاية الخدمة (بونص)، ونسبة مما يتخطاه من الأرباح أو المبيعات، والبدلات بأنواعها، والتأمين الصحي وغيرها. وهناك شق ثانٍ من التعويضات ينساها كثير من الموظفين، وهو ما يطلق عليه في أدبيات الموارد البشرية HR بالتعويضات غير المادية non-financial compensation (معنوية) مثل برستيج المكان الذي يعمل فيه المرء والذي لطالما حلم الموظفون بالعمل فيه مثل مجلس الوزراء، أو مكتب رئيس الدولة، أو أشهر مصرف في الإقليم، أو "هارفرد الشركات" باعتبارها الأكثر إنفاقاً على التدريب والأكفأ أداءً والأفضل من ناحية البيئة الخصبة للتعلم والاحتكاك بالموهوبين.
هناك من لا يعنيه سوى الجانب المادي حتى وإن عمل في مرأب مغمور للسيارات. وهذا حقه. ولكنه لا يلغي فلسفة التعويضات المادية والمعنوية التي تلبي حاجات البشر. فهناك من يرى في البرستيج المكاني لوظيفته المتواضعة الأجر خطوة نحو آفاق من الفرص الوظيفية الأفضل.
أما فلسفة زيادة الأجور والتعويضات عموماً، فهي مرتبطة بتحليل السوق والتوافق مع معايير مختلف الوظائف فيها. غير أن هناك أنظمة متطورة لتقييم الأداء بناءً على مؤشرات دقيقة للأداء، مؤشرات KPI يمكن قياسها، تحاول قدر الإمكان تقليل التدخل السافر من المسؤولين المنحازين، ليأخذ كل ذي حق حقه. وهذا يضمن أيضاً مكافأة أداء جيدة، ويحفز على روح العطاء.
وهناك معادلة ينساها البسطاء ويتناساها بعض المسؤولين وهي أنك عندما لا ترفع أجر العامل سنوياً بما يتناسب مع معدل التضخم، فإنه في الواقع يخسر سنوياً قدرة شرائية تقابل هذه النسبة. فإذا كان راتبه ألف دولار وكانت نسبة التضخم (الزيادة في السلع والخدمات) 10 في المئة فإنه خسر سنوياً 100 دولار، ويتراكم ذلك العبء سنوياً حتى تتلاشى مقدرته الشرائية لأن راتبه ثابت مقابل تلك الزيادة. ولا ينبغي أن يفرح بزيادة أجره بنحو 500 دولار بعد خمس سنوات من الثبات، لأن ذلك المبلغ لن يعوض ما خسره طوال تلك الأعوام الخمسة باعتبار أن التضخم استمر في التهام راتبه بمعدل 100 دولار سنوياً.
مشكلة كثير من المؤسسات أنها تعيش حالة من الجمود rigidity، فهي تصر على عدم زيادة راتب موظف متفان لا يختلف اثنان على مواهبه، بحجة أن الزيادات لا تحدث إلا في نهاية العام فيضطر لقبول عرض لا يقاوم بمضاعفة راتبه في مؤسسة أخرى أنصفته. واقع الحال يشير إلى أنه مع مرور الوقت تفقد بيئة العمل تدريجياً الشعور بأهمية الموظف المتفاني فلا تكترث بإرضائه مادياً، لكنه ما إن يقرر في اللحظة المناسبة (أوج عطائه) الاستقالة يصحو المسؤولون من غفلتهم. صحيح أن مسألة الخضوع للتهديد غير محبذة لأنها تفتح باب التهديد، لكن المهنيين يدركون أن مجازفة نصف موهوب أو متقاعس بهذا النوع من المساواة سوف تقابل بقبول فوري للاستقالة!
في المقالة المقبلة سوف نتطرق إلى معضلة الأقدمية، وحقيقة سلّم الرواتب، والأعذار الواهية التي يطلقها المسؤولون للتملص من الزيادات المستحقة وغيرها. وللحديث بقية...
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض