لم يعلّق أي مسؤول مصري، حتى الآن، على "التسخين" الإسرائيلي بشأن العودة لاحتلال ممر صلاح الدين المعروف باسم "فلادلفيا"، على رغم أنّ الاحتفال نُصب سريعاً وبدأت معزوفة التحريض ودقّت طبول الفرح، على إيقاع العبارة الشهيرة للقيادي الإخوانجي محمد البلتاجي "إنّ ما يحدث في سيناء يمكن أن يتوقف إذا ما تراجع السيسي وأعاد محمد مرسي إلى المقعد الرئاسي".
هذه المرّة لم يكن الحدث عبارة عن هجوم إرهابي وإنما تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحديث تلفزيوني لوزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان، احتشد الإعلام الاخوانجي لترويجها والشغل عليها، عندما أعرب نتنياهو عن قناعته بضرورة سيطرة الجيش الإسرائيلي على ممر "فلادلفيا"، أي الشريط الممتد من معبر كرم أبو سالم وحتى البحر المتوسط بموازاة الحدود بين مصر وقطاع غزة في الجانب الفلسطيني، بينما دعم ليبرمان موقف رئيس وزرائه، مشدّداً على انّ ما يهمّه "مصلحة اسرائيل وليس رأي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الموضوع".
ليست جديدة الإشارة إلى محاولات الإخوان الحثيثة لاستغلال العدوان الإسرائيلي على غزة للإساءة الى مصر بكل الطرق، وكذلك اصطياد كل عبارة حادّة تصدر عن أي شخصية إسرائيلية تجاه مصر، أو لتحدّي العرب أو حتى العالم، لتسخين المصريين وتحريضهم ضدّ قادتهم باعتبارهم يتخاذلون، وهم وجدوا في تصريحات نتنياهو وليبرمان فرصةً لإدخال مصر طرفاً مشاركاً في "طوفان الأقصى" أو المجازر الاسرائيلية ضدّ أهل غزة أيهما أسهل!.
اللافت هنا أنّ الإعلام الإسرائيلي الذي لم يتوقف عن تسريب مواقف وآراء لمسؤولين حول رغبتهم في تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة الى سيناء عبر الحدود مع مصر، ونشط، منذ اجتياح الجيش الإسرائيلي للقطاع، في إعادة تدوير الأفكار والمقترحات التي تركّز على إخلاء غزة من الفلسطينيين او تقليل أعدادهم إلى بضعة آلاف، عاد لتكثيف الحديث عن تهريب الأسلحة الى حركات المقاومة الفلسطينية من سيناء عبر الحدود او الأنفاق، من دون ذكر الجهود المصرية لإغلاق الأنفاق وهدمها وضبط الحدود ومنع تهريب الأسلحة من الاتجاه الآخر الى التنظيمات المتطرّفة في سيناء، قبل وأثناء الحرب الضروس التي شنّها الجيش المصري ضدّ الإرهابيين في شبه الجزيرة المصرية. لكن المغزى من إثارة موضوع "فلادلفيا" يؤكّد انّ كل الأفكار الإسرائيلية حول مستقبل القضية الفلسطينية تركّز على تحقيق الأمن بزيادة حصار الفلسطينيين، إذا فشل مخطط تهجيرهم، دون النظر الى انّ كل الإجراءات الصارمة التي اتخذها الجيش الإسرائيلي على الجانب الآخر في غلاف غزة لم تمنع المقاومة الفلسطينية من إهانة الجيش الإسرائيلي والتفوّق عليه بوسائل ومعدات بدائية في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، حتى انّ الاسرائيليين حين أرادوا الاحتفال بالسنة الجديدة وجدوا صواريخ المقاومة تنير لهم ليل تل ابيب.
يبدو انّ سيناء لا يجب ان تنعم بالهدوء لفترة طويلة، فشبه الجزيرة المصرية تركّزت فيها على مدى سنوات محاولات الإرهابيين العائدين من كل بلد هُزموا فيه، لينصروا إخوانهم الإرهابيين المهزومين في مصر، متسلّحين بدعم مالي خارجي وإعلامي إخوانجي وبغطاء نسجه كل طرف أو جهة أو شخص تعرّض للضرر أو تأثرت مصالحه بفعل إطاحة الإخوان عن حكم مصر، أو انتظر مكافأة على ما اعتبره مساهمة منه في إسقاط الإخوان ولم ينلها، فتحول ناشطاً ثائراً ساعياً إلى ثأر ممن حرموه تحقيق طموحه، وفي الجانب نفسه هناك طوابير المستفيدين من بقاء المناخ ملتهباً والأجواء ساخنة والأرض تغطيها الدماء، فالخيوط التي تربطهم بمنظمات حقوقية أجنبية ووسائل إعلام غربية ومراكز بحثية أميركية، تجعل مناخاً كهذا يبرز كفاءتهم ويؤكّد انتماءاتهم ويثبت ولاءهم للمانحين!.
على خلفية موضوع ممر "فلادلفيا" فإنّ المتابع لوسائل الإعلام الإسرائيلية يلاحظ انّ المتطرفين الإسرائيليين لا يتوقفون عن محاولات التحرّش بمصر، وانّ بينهم من عارض اتفاق السلام بين مصر واسرائيل بل يطالب بإلغائه، وهؤلاء ومنذ عملية "طوفان الأقصى" اتهموا مصر بالتغاضي عن تهريب الأسلحة والمتفجرات الى "حماس" وباقي الفصائل الفلسطينية المسلّحة، ويدفعون في اتجاه صدام عسكري ضدّ مصر، وهي الرغبة نفسها التي لا يخجل تنظيم الإخوان الإرهابي من التعبير عنها والمطالبة بها والتحريض عليها، رغم انّ تنظيمهم هو الذي ابتكر هتاف "على القدس رايحين شهداء بالملايين" وليس أي جهة أخرى، وهكذا فإنّ العدوان الاسرائيلي على غزة كشف جلياً اتساع المساحة المشتركة بين الإخوان وإسرائيل، الى درجة تصل أحياناً في بعض الأهداف حدّ التطابق.
يدّعي الاخوان بأنّ تنظيمهم ينفق الأموال ويجيّش الإعلام ويحشد "الذباب" الإلكتروني من أجل صالح المصريين، لكن ذلك لا ينطلي على الشعب المصري الذي منذ أطاح بحكم الإخوان لبلده، يتعرّض لمنصّات وفبركات وأكاذيب وادعاءات تستهدف إسقاط دولته، ناهيك بالطبع عن اضرار هؤلاء السُّذج الذين يمتطيهم تنظيم الاخوان ويسيرون في التيار، دون أن يدركوا أنّ الرصاصات التي استقرّت في صدور ضباط وأفراد الشرطة في سيناء وغيرها من المدن المصرية عند مواجهة إرهاب الاخوان وحلفائهم، كان يمكن أن تستقر في صدورهم أو صدور أبنائهم أو عائلاتهم، فالمسافات لم تكن بعيدة. ولأنّ مواقع التواصل الاجتماعي فرضت واقعاً مغايراً، جعل من يُسطّر بعض العبارات كاتباً وربما أديباً يتلقّى تعليقات المحبين، ومن يطرح وجهة نظر حتى لو سطحية أو غير منطقية خبيراً استراتيجياً، ومن يلاحق الأخبار ويتنقل بين المواقع والصفحات عالماً ببواطن الأمور،فيبدو انّ أجهزة استخباراتية ولجاناً إلكترونية استغلت تصريحات نتنياهو وليبرمان حول محور "فلادلفيا" ودفعت بصور مفبركة ومشاهد مركّبة وأغرقت الفضاء الإلكتروني بمعلومات كاذبة تداولها الناس وصدّق بعضهم ما جاء فيها، بينما انهمك آخرون في إدانة الصمت وانتقاد الدولة التي لم تردّ رسمياً، دون أن يستعيدوا ما جرى في قضايا أخرى كان تعاطي السلطات المصرية فيها عقلانياً منطقياً صارماً، واقتصر دائماً على وسائل الاعلام.
النقاش الموضوعي لمسألة التطورات المحتملة لمحور "فلادلفيا" يحيل في البند الرابع في اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل أي ترتيبات او تطورات عسكرية على الحدود الى ملحق أمني تضمّن تشكيل لجنة عسكرية مشتركة وعلى الجانب الإسرائيلي، ووفقاً للملحق، يجب ان توافق مصر عن اي نشاط عسكري في المنطقة (د) التي يقع "فلادلفيا" ضمنها والممتدة من البحر المتوسط شمالاً وحتى معبر كرم ابو سالم جنوباً، علماً أنّ عودة الجيش الإسرائيلي الى التواجد في الممر لا يُعدّ احتلالاً وانما إعادة تواجد، لأنّ قطاع غزة كله وفقاً لاتفاق السلام نفسه تحت الاحتلال، كما انّ إسرائيل استجابت مرات عدة لطلبات مصرية لإعادة توزيع الجيش المصري في شبه جزيرة سيناء خصوصاً في المنطقة (ج) التي نصّ اتفاق السلام على تواجد 750 من افراد الشرطة فقط فيها لضبط الحدود، لكن مصر أدخلت، بموافقة الجانب الإسرائيلي، أعداداً غير قليلة من قوات حرس الحدود ثم في مرحلة لاحقة من ضباط وجنود الجيش، لمواجهة نشاط الجماعات المتطرّفة، كما حصلت على موافقة إسرائيل على تحليق الطائرات المصرية حتى شريط الحدود، مع وجود دبابات ومدرعات وأسلحة ثقيلة في المنطقة ذاتها.
وعلى ذلك، فإنّ إسرائيل لا يمكنها اتخاذ قرار أحادي بالعودة إلى احتلال الممر، ويتعيّن عليها الحصول على موافقة مصر للعودة الى الأماكن نفسها التي تركها جيشها عام 2005، إذ فرض الانسحاب وضعاً قانونياً جديداً لا يمكن تغييره الاّ بموافقة الطرفين، ولا وجه للمقارنة بين مواجهة الجيش المصري للإرهابيين في سيناء وبين المذابح التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين. فالدولة المصرية كانت تدافع عن أمنها القومي ضدّ عناصر لا ينتمون إلى دولة بعينها وانما اجتمعوا في سيناء لإسقاط الدولة المصرية، بينما أهل غزة، ضمن المكون الفلسطيني، يتعرّضون لعدوان ومحاولات لتهجيرهم وجرائم تطهير عرقي من جيش أسسته اسرائيل من أبناء واحفاد جنسيات مختلفة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان
4/29/2026 10:32:00 AM
هل ستُهاجم إسرائيل العاصمة بيروت؟
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
نبض