26-12-2023 | 05:10

اللاجئون: معضلة في مصر!

هل تعاني مصر ازمة اقتصادية اثرت على الأحوال المعيشية لغالبية المواطنيين؟
اللاجئون: معضلة في مصر!
Smaller Bigger
 
هل تعاني مصر أزمة اقتصادية اثرت على الأحوال المعيشية لغالبية المواطنيين؟ الإجابة بالقطع: نعم. لكن هل تعيش مرحلة خطر؟ بالتأكيد الإجابة: لا. فارتفاع أسعار السلع والخدمات ونقص بعض السلع كل فترة والانفلات والاندفاع والرغبة في تجاوز القانون واستغلال الازمات واخفاء السلع ورواج السوق السوداء أمور جعلت الحياة في المجتمع المصري صعبة وعويصة ومحبِطة ومؤلمة لفئات عريضة من الشعب، لكنها في كل الأحوال لم تصل بعد مرحلة تهديد كيان الدولة أو مؤسساتها التي تعاني لكنها تعمل، الا أن المصريين يخشون من تفاقم الأزمة الى درجة قد تهدد بالفعل تماسك الدولة وكيانها.
 
باختصار فإن مصر ما زالت تحتفظ بنسيجها الاجتماعي وتماسك الدولة ومؤسساتها، ناهيك بالطبع عن تراثها وخبراتها المتراكمة وتاريخها الطويل، لكن الحياة فيها الآن بالنسبة إلى كل الفئات والأعمار والأديان لم تعد سهلة أو ميسرة أو مرفهة. المواطن المصري يحتاج إلى كثير من الصبر والجلد وضبط النفس للتعاطي مع مكونات المجتمع وأحداثه وناسه وتفاعلاته المتلاحقة، خصوصاً بعدما بدأت الدولة تستقر لكن الأسعار ترتفع، والهدوء يسود لكن السلع تختفي، والمشروعات الكبرى تنتشر لكن ظروف الحياة لا تجعل المواطن لديه القدرة حتى على الذهاب اليها والافتخار بها. صحيح أن كل الأطراف الفاعلة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً قبل ثورة 25 كانون الثاني (يناير) وبعدها ساهمت في الوصول بمصر إلى مراحل خطرة هدد فيها المجتمع بالتشقق والتشرذم والتصدع، لكن المؤكد بالنسبة للكثيرين أن الحال الآن أفضل كثيراً جداً مما كان يمكن أن تصل إليه البلاد لو استمر "الإخوان"  في الحكم، أو لو تمكن ذلك التنظيم الإرهابي من اخماد ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، إذ كانت الدولة نفسها مهددة بالضياع لا الأمن فيها فقط أو أحوال الناس وظروفهم المعيشية، ومشرفة على التفكك لا الأخلاق والأعراف فقط، وتتجه نحو حرب أهلية لا مجرد مواجهة بين فصيل واحد وباقي الشعب. غير ان الامال في تخطي أثار حكم الاخوان وجني ثمار المشروعات العملاقة والبنية التحتية التي أعيدت هيكلتها مازالت بعيدة أمام حقائق على الأرض وجد فيها المصريون العملة المحلية تفقد قيمتها، ووقارها. 
 
القضية الحقيقية أن مؤسسات الدولة الكبرى كالرئاسة والحكومة والجيش والشرطة والقضاء استنزفت لسنوات في علاج آثار الربيع العربي وحكم "الإخوان" على أصعدة عدة خصوصاً ما يتعلق بعرقلة تنفيذ خريطة طريق سياسية بما يحفظ التوازنات بين القوى السياسية وتفادي غضب بعضها ورصد المؤامرات والتصدي لها، بعد فترة انشغلت فيها الدولة كلها بملاحقة التظاهرات والاحتجاجات الإخوانية والتصدي لمحاولات تعطيل الحياة العامة والتأثير في أداء المؤسسات، علاوة على التصدي للإرهاب في سيناء وغيرها من المدن والمحافظات المصرية.
 
الان وبعد الانتخابات الرئاسية يرصد المواطن المصري ظاهرة تتعلق بوجود اكثر من تسعة ملايين من اللاجئين في البلاد، ويربط الظاهرة بزيادة أعباء الحياة على المواطنين، وتحول بعض الاحياء الى مجتمعات مغلقة على "الضيوف" دون المصريين! وقفزات غير مسبوقة في أسعار العقارات نتيجة "هجوم" القادمين من دول عربية أخرى للإقامة في مصر.ويستغرب المصريون التناقض ما بين مشروعات تنفق عليها الدولة أموالا طائلة لتنظيم الأسرة بهدف تخفيف الكثافة السكانية وتقليل عدد المواليد بينما تسمح بهذه الملايين لتزيد من وطأة الازمة المعيشية التي يعاني منها البلد وأهله، خصوصا ان المنطق لا يقبل تسهيل الاقامات في بلد يعاني بالأساس ضائقة اقتصادية وضغوط على الخدمات، ناهيك عن هؤلاء الذين يتسكعون ويتسولون في إشارات المرور.
 
صحيح ان مصر دائماً تفخر بكونها بلداً مفتوحاً لكل العرب وملاذاً آمناً لمن يعانون  ظروفا صعبة دفعتهم الى مغادرة بلدانهم، لكن ما زاد من حال الغضب أن اعدادا غير قليلة من الوافدين كانوا وصلوا الى مصر في الفترة التي حكم فيها تنظيم الاخوان الإرهابي البلد وشاركوا في فعاليات الاحتجاجات الاخوانية كما ان بعضهم لا يتوانى عن الهجوم على مؤيدي الدولة ويروجون للخطاب السياسي والإعلامي للاخوان. 
 
معدل النمو السكاني في مصر كبير وسريع، أو قل رهيباً، ولم تستطع أي حكومة أو نظام أن يُحدّ من سرعته، ولذلك يضيع دائماً عائد التنمية ويتآكل أمام الأعداد الهائلة التي تتدفق في المجتمع كل يوم وتحتاج إلى مأكل وملبس ووظائف وخدمات وعلاج وترفيه، والمحصلة العامة أن بلداً ينفق أموالاً طائلة وينظم حملات مستمرة ويدخل سياسيوه في جدل مع شيوخه على خلفية موقف الدين من مسألة الانجاب، يسمح، بمثل هذه الصورة، بدخول أبناء الجنسيات الأخرى ومنحهم الاقامات بشروط ميسرة جداً، ثم يعود المسؤولون فيه ليتهموا الشعب بالعناد وعدم الاستماع للنصائح وتجاهل النداءات والتوسلات والتنبيهات من مخاطر الزيادة السكانية على التنمية والاقتصاد وأحوال الشعب!. 
 
شوارع مصر وميادينها دائماً في حالة ذروة ولا ينطبق عليها ما يسري على غيرها من الدول، فهناك أكثر من مئة مليون يعيشون في موازاة النيل، يتكدس بعضهم في احياء شعبية مكتظة لا تتحمل وافدين جدداً اليها، بينما بعضهم في مدن حضارية أو جرى تشييدها حديثاً لا يقبلون أن يصبحوا كضيوف على وطنهم بعدما زاحمهم الضيوف من الخارج وضغطوا على كل سلعة تباع من السكر إلى هاتف أيفون، ومن شقق مشروعات الإسكان الاجتماعي إلى فيلات المنتجعات حول القاهرة ومدن الساحل الشمالي. في مصر لا تتوقف أزمات السلع الأساسية المطروحة كل يوم لكنها تمر، وبعد أزمة السكر أتت أزمات أخرى لسلعة أخرى لكنها أيضاً مرت، فحول المصريون غضبهم من طول فترة الازمة إلى نكات وتعليقات فكاهية، فهم اعتادوا على هذه الأجواء ويتعاملون معها باعتبارها جزءاً من تراثهم أو قل ثمناً لمواقف تبنوها وصمدوا من أجل الدفاع عنها، وأولها صمودهم في وجه الإخوان والدول والجهات الداعمة لتلك الجماعة وحفاظهم على بلدهم ونجاته من جحيم ربيع أطاح دولاً لم يعد الناس فيها يتزاحمون لشراء سلعة، أو الحصول على خدمة، وإنما يقفون طوابير طويلة لينالوا وجبات تلقى عليهم من طائرات إغاثة.
 
 
على جانب آخر، يدرك المصريون ان الرئيس السيسي يتجه الى فتح المجال بصورة أوسع لنشاط الأحزاب وقوى المعارضة شريطة الا يكون ذلك النشاط امتداداً لمؤامرات الاخوان او تعبيراً عن توجهات ذلك التنظيم الإرهابي، وان مصر ستحتاج إلى فترة غير قصيرة لتعبر مرحلة الجمود السياسي شرط أن تنفذ خريطة الطريق السياسية بدقة وشفافية، ومن دون أخطاء تمكن «الإخوان» من القفز عليها، أو الغرب وخصوصاً الأميركيين من التشكيك فيها. لكن الأهم لدى المواطن ان تنجز الدولة، في الولاية الجديدة للسيسي، حزمة إصلاحات اقتصادية تنعكس على تحسين الأحوال المعيشية للناس، وان يتجاوز الحكم مرحلة تدبير الحد الأدنى من حاجات المواطنين الى مستوى لا يجعل المواطن يواجه كل فترة ازمة في ندرة سلعة بعينها او اختفاء حاجاته الأساسية من الأسواق او وضع ذلك المواطن في نزاع دائم مع التجار، والسيطرة على تدهور العملة المصرية في مواجهة العملات الحرة، فالمواطن البسيط غير معني كثيراً بالسياسة ويعتقد أن النخبة السياسية مهمومة دائماً بالبحث عن الغنائم: مقاعد في البرلمان، أو ثقل سياسي، أو مواقع تنفيذية، بينما هو مهموم بالحاضر والمستقبل وأُنهك في البحث عن حلول لمشاكله ويخشى دائماً من أن يخسر جولة في الحياة ويستعد دائماً إلى جولات أخرى. عانت الدولة المصرية تجريفاً في الكفاءات على مدى عقود، وفقراً ضرب مدنها وقراها وبالتالي نسبة كبيرة من شعبها، وغياباً لقيمٍ كان الحفاظ عليها كفيلاً بتخفيف وطأة الانفلات معيشياً وأخلاقياً. لكن هذا لا ينفي أنه في حالات كثيرة يخرج الإبداع من قلب المعاناة، والنجاح من بعد الفشل، والطموح من بين حطام الإحباط. وليس دائماً يأتي الارتباك والانفلات والتصرفات الخاطئة والسلوك «المعيب» نتيجة أزمة أو بعد فشل تجربة، فالمصريون وإن عصفت بهم الحياة فترات، وعانوا نار المؤامرات مرات، وانخدعوا أخيراً في من تصوروهم أصدقاء، يجعل تاريخ مصر والمخزون التراثي والثقافي والمعرفي وتراكم الخبرات، الأمل قائماً في الخروج من الازمة الاقتصادية، ووضح خطط خارج الصندوق للقضاء على الازمات، وتنظيم مسألة استقبال اللاجئين بما يحفظ  لمصر دورها في تخفيف المعاناة عن الشعوب الأخرى لكن دون زيادة وطأتها على شعبها.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان 4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار