وفقاً للدستور المصري، لن يتمكن الرئيس عبد الفتاح السيسي من الترشح مرّة أخرى بعد 6 سنوات تمثل ولايته الأخيرة. الحديث هنا عن الواقع وفقاً للنصوص وليس عن همهمات وهمسات وربما توقعات، تذهب إلى أنّ النصوص ستتغيّر والدستور سيُعدّل وسيتمّ الاستفتاء على التعديلات وستُقرّ ليتمكّن الرجل بعد 6 سنوات من الترشح مجدداً. لكن لا أحد يعرف ما يخبئه المستقبل وما ستقود اليه الأقدار، والأهم، ماذا سيقدّم السيسي في الولاية الجديدة، بعدما أظهرت نتيجة الانتخابات الرئاسية تفوّقه باكتساح على ثلاثة مرشحين آخرين نافسوه، ولم يتمكن أحد منهم حتى من تحقيق نتيجة تقوده إلى مرحلة للإعادة مع السيسي.
ووسط مناخ عاشته مصر أخيراً ومخاوف لدى المصريين تتعلق بتداعيات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ومصاعب عاشوها في السنوات الأخيرة بفعل أزمة اقتصادية حادّة أثرت على قيمة العملة المصرية وأسعار السلع والخدمات، يسأل بعضهم: إلى أين تتّجه البلاد بعدما جرى مجدداً انتخاب السيسي؟ وماذا عن مدى ملاءمة قراره الترشح لخوض الانتخابات، ثم فوزه، مع مصلحته ومصلحة البلاد؟ من دون أي تناول لحجم المنافسة التي واجهها، لأنّ الانتخابات جرت من دون وجود المرشح الذي كان من الممكن أن ينافسه بقوة أو يصعّب عليه مسألة الفوز من الجولة الأولى.
وبينما جرت خطوات ومراحل الانتخابات واحدة وراء أخرى في نجاح مذهل، على رغم الصعوبات والعقبات والحرب الإسرائيلية على غزة وما تركته من آثار على المصريين، الذين يترقبون السبل والمسارات التي سيقطعها السيسي ليقطع على إسرائيل تصفية القضية الفلسطينية وتنفيذ مخطّط تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، فإنّ النتائج أظهرت أنّ الرجل ما زال يتمتع بشعبية عالية رغم حملات تنظيم "الإخوان" الإرهابي ضدّه، وبذاءة حلفائهم من الناشطين المقيمين خارج مصر في نقدهم له ورفضهم الدائم لكل شيء وأي شيء، وكذلك المعارضين داخل مصر بحدّتهم أو قل انفلاتهم، خصوصاً أنّ مصر منذ أن ضربها الربيع العربي لم يعد فيها حدود للخلاف أو معايير للمنافسة أو قواعد للسلوك العام.
هل جازف السيسي حقاً بنفسه أم بالجيش أم بالبلد بقراره الترشح للانتخابات الرئاسية؟ بعض مؤيّديه ومحبيه يرون أنّ الرجل مستهدف من "الإخوان" وحلفائهم، لكن هل أحد في مصر الآن غير مستهدف؟ هل تفرّق منصّات التنظيم الإرهابي بين طفل وشيخ أو بين رجل أو امرأة أو بين مسؤول مهما كان موقعه، ومواطن لمجرد أنّه يؤيّد السيسي أو يعارض "الإخوان" ويتصدّى، بقدر ما يستطيع لمؤامراتهم؟
وعلى ذلك، فإنّ السيسي المُستهدف في الولاية السابقة سيُستهدف أيضاً في الولاية الجديدة، لا فرق، المهمّ في سياساته لتحقيق آمال من انتخبوه، أما أعداؤه من "الإخوان" أصحاب شعار "على القدس رايحين شهداء بالملايين"، فكشفتهم الحرب على غزة وفضحتهم مواقفهم التي لم تخل أبداً من استغلال القضية الفلسطينية والاتجار بها لكسب التعاطف الشعبي ونيل ثمن ترديد الهتافات وترويج الشعارات للإنفاق على نشاط التنظيم، وكذلك النشطاء من مروجي شعار "يسقط يسقط حكم العسكر" الذين تحالفوا مع تنظيم إقصائي سحق زملاءهم ونكل بهم حين قفز إلى مقاعد الحكم ومناطق النفوذ، وتتنوع لديهم مظاهر العداء للسيسي الشخص والتوجّه، وبينها أنّ ترشحه ثم فوزه بالانتخابات يرسّخ الاعتقاد بأنّ معادلة ثورة 30 حزيران (يونيو) لم تتغيّر، وأنّ خطاب الحريات وأوضاع السجون والاختفاء القسري لم يعد ينطلي على فئات الشعب التي صارت تعتبره خطاباً "إخوانياً" غربياً تحريضياً.
المهمّ أنّ غالبية الشعب والكتلة التصويتية أيّدت ما جرى، سواء في الميادين والشوارع عند الثورة على حكم "الإخوان"، أو عبر الصناديق في ثلاث جولات انتخابية رئاسية ترشح فيها السيسي، كما أنّ "الإخوان" والجهات والدوائر الغربية عموماً والأميركية خصوصاً التي تناصرهم، لن تتوقف عن وصف ما جرى بالانقلاب، حتى لو حكمت مصر امرأة. بعضهم يروّج أنّ الجيش بذلك أصبح طرفاً في المعادلة السياسية، فهل يعني ذلك أنّ المؤسسة العسكرية تدخّلت في الانتخابات أم الدولة العميقة؟ أم أنّ ضباط وجنود الجيش كانوا عناصر حملة السيسي الانتخابية؟
واقع الأمور يشير إلى أنّ التزوير لم يعد ممكناً بل أصبح مستحيلاً، حيث يراقب العالم ما يجري، كما أنّ المرشحين في تلك الانتخابات، سواء السيسي أو الثلاثة الذين نافسوه، كانوا أكثر حرصاً جداً على شفافية الانتخابات ونزاهتها، لينأوا بأنفسهم عن التشكيك الذي صار هدفاً من قوى في الداخل والخارج. بعض محبي السيسي والجيش يعتقدون بسلامة نية، وآخرون من منافسيه أو كارهيه، عن سوء نية، يتحدثون عن مجازفة بالبلد، إذ سيعمل الرئيس في الولاية الجديدة في ظروف صعبة، حيث تعاني مصر مخاطر على حدودها الشرقية، أُضيفت الى معضلات كانت تتعامل معها على الحدود الجنوبية والغربية. كما أنّ البلد تدهورت أحوالها الاقتصادية وتأثرت بفعل تداعيات ظروف دولية وإقليمية وأخطاء داخلية، ناهيك بما تواجهه من مؤامرات داخلية وخارجية تسعى إلى إرباكها أو بث الفتن بين نسيج المجتمع فيها، أو إفشال أي خطط للحفاظ على وحدتها. هؤلاء أنفسهم الذين روّجوا عندما ترشح السيسي للانتخابات الرئاسية للمرة الأولى عام 2014 أنّ بقاءه في موقعه القيادي في الجيش يضمن تماسك المؤسسة العسكرية وصلابتها في مواجهة الإرهاب، وليحكم من يحكم.
دعك من محبي السيسي القلقين عليه من المجازفة، إذ تُحرّكهم دوافع عاطفية من دون أسباب موضوعية، وركّز على كارهيه الذين لا يطرحون بديلاً لا يجازف بنفسه وبالجيش وباقي مؤسسات الدولة وبالبلد، ولا يقدّمون الحلول للمشاكل والمعضلات، ولا يردّدون مفردات قوى سياسية معارضة وإنما بذاءات وشتائم وسباب أخرجتهم من دائرة المعارضين للحكم إلى مستنقع المتآمرين على البلد.
باختصار، لن يحكم السيسي مصر في فترة الولاية الجديدة كما حكمها من قبل، فعليه أن يجهّز المجتمع ليستعيد آفاقاً سياسية وتطورات على مستوى أداء الأحزاب، بعدما استقرّ البلد وجرى دحر الإرهاب وتقليل مخاطر "الإخوان" بدرجة كبيرة، ناهيك بالطبع عن بحثه عن سبل لتخفيف حدّة الأزمة الاقتصادية وتأثيراتها على الناس الذين ينتظرون، بعدما صبروا وتحمّلوا، أن يجني المجتمع كله ثمار مشاريع عملاقة، وتهيئة المناخ، كرئيس، كي تؤدي مؤسسات الدولة أدوارها بفعالية. كما أنّ الشعب المصري، الذي نضج على نار ساخنة خلال عقد كامل منذ اطاحة حكم "الإخوان"، التفّ حول الدولة تحت تأثير عنف "الإخوان" ومحاولات التخريب في الداخل ومؤامرات الخارج.
مصر بلد يملك موارد ظلّت مهدورة لعقود، وتحتاج إلى مؤسسات راسخة ومتطورة قادرة على إدارتها وتدويرها والاستفادة منها، وحاكم يملك كفاءة التعاطي مع تلك المؤسسات وتطويرها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان
4/29/2026 10:32:00 AM
هل ستُهاجم إسرائيل العاصمة بيروت؟
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
نبض