نفت إيران مسؤوليتها عن الهجوم الذي شنّته حركة "حماس" على إسرائيل في تشرين الأول (أكتوبر). وفي 7 تشرين الثاني (نوفمبر)، قال الرئيس الأميركي جو بايدن إنّ "لا دليل" على أنّ إيران كانت متواطئة في العملية.
لكن إيران زوّدت "حماس" وميليشيات أخرى في مختلف أنحاء المنطقة بالمال والأسلحة والتدريب، ما سمح لها بشن هجمات أكثر تطوراً ضدّ القوات والمصالح الأميركية في العراق وسوريا والبحر الأحمر وغيرها من المناطق.
فهل ينبغي معاقبة إيران بسبب تصعيدها للعنف من خلال حلفائها الإقليميين وصب الزيت على نار غزة؟
يعتقد كثيرون في واشنطن ذلك. ووفقاً للسناتور توم كوتون، يتعين على الولايات المتحدة أن تسعى إلى "الانتقام الشامل" من أجل استعادة الردع ضدّ طهران في أعقاب عشرات الهجمات منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر). إلى ذلك، حض زميلاه كيفن كريمر وتيم سكوت الولايات المتحدة على التعامل بمزيد من العدوانية، ويتضمن ذلك "مهاجمة إيران، وليس فقط المخازن في سوريا".
وحتى في إدارة بايدن، أعرب مسؤولون في وزارة الدفاع، وكذلك كبار الضباط في الجيش الأميركي عن قلقهم بشأن الردّ الأميركي الضعيف على الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الأخيرة التي شنّها الحوثيون في البحر الأحمر.
والواقع أنّ الدعوات المطالبة بردّ أميركي أكثر قوة ضدّ إيران مفهومة، لكنها مشوّشة لأنّها تحكم بشكل غير دقيق على الردع الأميركي ضدّ إيران.
ولا شك في أنّ قوة الردع الأميركية ضدّ إيران قد تضرّرت، بالنظر إلى الهجمات المتزايدة التي يشنّها حلفاء طهران في مناطق ومجالات متعددة. لكنها لم تتبدّد، وبقيت على المستوى الاستراتيجي، حيث تكمن الأهمية القصوى، والمصالح الأميركية الأساسية.
وتبدأ هذه المصالح بالحفاظ على حرّية التجارة والملاحة في منطقة غنية بالموارد الطبيعية الاستراتيجية، وتُعدّ موطناً لنقاط العبور المهمّة في الشحن والتجارة العالمية. وتحمي واشنطن هذه المصلحة الدائمة من خلال ضمان عدم فرض أي قوة خبيثة شروطها على المنطقة أو السيطرة على مواردها الغنية. وخلال الحرب الباردة، تمثلت هذه القوة بالاتحاد السوفييتي. أما اليوم، فهي إيران.
على مرّ السنوات، نشرت إيران نفوذها في مختلف أنحاء المنطقة، في تحدٍ للسياسة الأميركية.
في اليمن، يسيطر الحوثيون على جزء كبير من الشمال وغيره من المراكز السكانية الكبيرة. وفي العراق، تسيطر الميليشيات الشيعية على السياسة والموارد. أما في سوريا، يُعدّ نظام الرئيس السوري بشار الأسد عميلاً لإيران بالأساس. وفي لبنان وفلسطين، يتخذ "حزب الله" و"حماس"، على التوالي، القرار بشأن قضايا الحرب والسلام.
واستندت إيران إلى الإكراه والترهيب، وهاجمت في بعض الأحيان شركاء الولايات المتحدة الرئيسيين مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ووقع الهجوم الأكثر فظاعة في أيلول (سبتمبر) 2019، عندما ضربت إيران مباشرة البنية التحتية للطاقة السعودية بسرب من الطائرات المسيّرة والصواريخ، ما أدّى إلى شل أكبر منشأة لمعالجة النفط في العالم.
وتستغلّ إيران عداءها لمحاولة دق إسفين بين واشنطن وشركائها، وقد نجحت في ذلك إلى حدّ ما. وبسبب المخاوف بشأن ردّ واشنطن غير الفعّال على العدوان الإيراني وعدم الالتزام بضمان الأمن، سعى السعوديون والإماراتيون إلى اتفاقيات تطبيع معها.
وسجل العنف الذي تمارسه إيران ضدّ القوات الأميركية لافت أيضاً. وكان الأسوأ خلال حرب العراق، التي قتلت فيها أكثر من 600 جندي أميركي. وفي الآونة الأخيرة، قتلت القوات الموالية لإيران مقاولاً أميركياً في سوريا وآخر في كركوك، بعد هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ.
أخيراً، تمكنت إيران، من خلال "حماس"، من عرقلة ما كان يمكن أن يكون حدثاً تحويلياً في الشرق الأوسط، وهو اتفاق تطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، بوساطة أميركية.
ورغم أن هذه الإنجازات ملحوظة، فهي لا تضر بأي من المصالح الأساسية لواشنطن في الشرق الأوسط.
ولم تهدد إيران إلى حد بعيد حرية التجارة والملاحة في المنطقة، ولم تتسبب في عرقلة العلاقات بين واشنطن وأي من شركائها العرب. إلى ذلك، فشلت إيران في تحقيق الهيمنة الإقليمية، أو إخراج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط. ورغم الردع الأميركي المحدود، فكان له بصمته على كل من هذه النتائج.
ولا يعني ذلك أن الميليشيات الإقليمية التابعة لإيران ليست سوى مصدر إزعاج له عواقب هامشية، فهي مشكلة استراتيجية لن تنمو إلا في حال عدم معالجتها على نحو صحيح. والهجوم التاريخي الذي شنته "حماس" على إسرائيل هو الدليل الأحدث على ذلك.
وحذر شركاء الولايات المتحدة العرب لسنوات واشنطن من خطر تفشي "سرطان" حلفاء إيران. وشعروا بالحيرة بقدر ما شعروا بالصدمة عندما علموا أن واشنطن لم تناقش حتى هذه القضية مع طهران خلال المفاوضات التي أدت إلى الاتفاق النووي لعام 2015، معتبرين أن القنبلة الإيرانية الحقيقية هي الحلفاء، وليس السلاح النووي.
وإذا لم تمارس الولايات المتحدة المزيد من الضغوط على إيران لكبح جماح حلفائها، لأن طهران لن تتخلى عنهم، سينأى الشركاء الإقليميون بأنفسهم عن واشنطن أو يتبعون مسارات تضر بالمصالح الأميركية.
ويمكن لإسرائيل، على سبيل المثال، أن تضرب إيران في المرة المقبلة التي تتعرض فيها لهجوم كما حدث في السابع من تشرين الأول. فقد لا تكتفي بالانتقام من حلفاء إيران إن تعرضت لضربة أخرى. وإذا أقدمت إسرائيل على خطوة مماثلة، ستضطر الولايات المتحدة إلى الدخول في القتال، وهو ما لطالما سعت إلى تجنبه.
وفي وقت سئم العرب من واشنطن وعدم اهتمامها بأمنهم، قد يتجهون إلى استرضاء إيران وإقامة علاقات أقوى مع الصين وروسيا، والبدء في تقييد وصول الولايات المتحدة إلى المنطقة أو منعه بالكامل. ويشكل ذلك مشكلة بالنسبة إلى واشنطن، إذ إنها لا تتمكن من تحقيق الكثير في المنطقة من دون وصولها إليها وتعاونها مع العرب. والواقع أن البنية التحتية العسكرية الأميركية بأكملها في الشرق الأوسط تعتمد على موافقة الحكومات العربية.
من غير الممكن أن تتمكن واشنطن من مواجهة التحدي الإقليمي الذي تفرضه إيران بمفردها، بل تحتاج إلى شراكة مع إسرائيل والعرب. فهي تفتقر إلى المعرفة والأدوات اللازمة، وحتى إلى الاستعداد للقيام بذلك على نحو صحيح من تلقاء نفسها.
وتتلخص المسؤولية الأساسية التي تتحملها الولايات المتحدة في هذه الشراكة في استعادة ثقة العرب من خلال ضمان أمنهم، أي عدم تعرضهم لضربات الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية على أهداف مدنية والبنية التحتية الحيوية، فضلاً عن قتل المدنيين الأبرياء. وهذه الهجمات الإيرانية، إلى جانب الهجمات القاتلة ضد القوات الأميركية في المنطقة، من شأنها أن تبرر رداً عسكرياً أعنف من جانب واشنطن.
في المقابل، يتعين على العرب الالتزام ببناء قدرات مناسبة للمعركة في المنطقة الرمادية، مع قوة قتالية أكثر واقعية.
ويتعين على الإسرائيليين تقبل حقيقة مفادها أنهم ما داموا يرفضون التسوية والسلام مع الفلسطينيين، سيكون لدى "حماس" وإيران السبب والفرصة للجوء إلى العنف ضدهم. أما الولايات المتحدة، فيقع على عاتقها أن تلتزم بصياغة السلام بين الإسرائيليين المعتدلين والفلسطينيين المعتدلين، لأن ذلك من شأنه أن يكون مدمراً لطهران.
ويجب التوقف عن التظاهر بأن المزيد من القوة العسكرية ضد إيران من شأنها أن تحل هذه المشكلة بطريقة سحرية. فلا بد من إدارة المشكلة، وليس حلها. والسبيل الوحيد لقص أجنحة إيران بفعالية هو إقامة شراكة جادة مع إسرائيل والعرب تتمحور حول السلام ودفاع أقوى.
نبض