تنتهي الانتخابات الرئاسية المصرية اليوم، الثلثاء 12 كانون الأول (ديسمبر)، وستعلن نتائجها الاثنين المقبل. مرّت هادئة ولم تفلح الحملات التي استهدفت تعطيلها أو إفشالها من جانب منصّات تنظيم "الإخوان" الإرهابي والجهات المتحالفة معه، وربما أُضيفت تلك الحملات الفاشلة إلى كثيرٍ من الصور المطموسة وتلك المشاهد غير الواضحة عن مصر، والمعلومات المغلوطة عن أم الدنيا، كما يطلقون عليها. بعضهم يتعمّد تضخيم أمور كتلك علّهم يحققون مصلحة أو فائدة، أو ربما هدفهم بالأساس تغييب الوعي، أو العبث بالواقع أو التأثير في المستقبل.
لا توقعات بأن تحمل نتيجة الانتخابات أي مفاجأة، وعلى الأرجح، بل المؤكّد، أن يُعلن فوز الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي رئيساً لفترة ولاية جديدة، ليبدأ مهام إدارة الدولة المصرية التي يزيد عدد مواطنيها عن 100 مليون، وتعاني أمراضاً في الاقتصاد تحتاج الى علاجات بل جراحات سريعة، وتشهد حدودها مخاطر من كل الجهات، زادت أخيراً بفعل العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين في قطاع غزة، لتنفجر تساؤلات بشأن قدرة الرئيس المصري "المقبل" في مواجهة ذلك التحدّي للحفاظ على الأمن القومي لبلاده، من دون أن يساهم في زيادة معاناة الفلسطينيين أو التورط في تصفية القضية الفلسطينية.
بالفعل يبدو التحدّي كبيراً خصوصاً بعدما تأكّد أنّ قدرة الدول العربية على التأثير في وقف المذابح الإسرائيلية ضدّ الفلسطينيين أو الصراعات الإقليمية محدودة، حتى تلك التي تتعلق بأمنها القومي واستقراره ومصائر شعوبها، ويفرض على الرئيس في مصر أن يبحث عن مسارات أخرى غير تلك التي تعتمد على الثقل العربي ليحفظ حدود بلاده من دون ظن في أنّ القانون الدولي أو المنظمات الدولية تكفل كبح جماح إسرائيل من أن تظل تدفع بالفلسطينيين نحو الجنوب.

صحيحٌ أنّ القاهرة أعلنت موقفاً حاسماً برفضها اختراق الحدود، باستثناء الحالات الإنسانية التي يمكنها الوصول إلى المستشفيات، وربما تلقّت تطمينات من الأميركيين في ما يتعلق بنيّة إسرائيل دفع الفلسطينيين إلى مناطقها، وأنّه لا أساس لِما يُنشر بشأن خطط إسرائيل لتنفيذ عملية ترانسفير للفلسطينيين إلى مصر، لكن لا أحد يثق في وعود الأميركيين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالجموح الإسرائيلي.
تسيطر مصر على معبر رفح، وهو البوابة الوحيدة، بعد إغلاق حدود قطاع غزة مع إسرائيل، ومنه تمرّ قوافل المساعدات للقطاع، وتستطيع فتح المعبر على مصراعيه من دون تنسيق مع أي جهة، والسماح لعدد غير محدود من الشاحنات بالدخول، ووضع إسرائيل أمام معضلة صعبة. إلاّ أنّ خطوة كتلك يمكن أن تدفع مصر إلى مواجهة، ليس فقط مع إسرائيل، بل أيضاً مع الولايات المتحدة، وبذلك تستطيع إلحاق الضرر بمصالح استراتيجية حيوية أُخرى مهمّة، تمثل أيضاً تهديداً للأمن القومي المصري لا يقلّ خطورة عن مسألة السماح بعبور الفلسطينيين للحدود بأعداد كثيفة.
وبينما تغلق مراكز الاقتراع في الانتخابات الرئاسية المصرية التي استمرت ثلاثة أيام أبوابها، هناك أجهزة رسمية تبحث في أمر التعاطي مع تداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة والمخاطر التي تواجه الحدود الشرقية لمصر، ولا حاجة قط لفحص استطلاعات الرأي، أو تحليل السيناريوات الممكنة، فالسيسي سيكون هو الرئيس حتى سنة 2030 على الأقل، والمرشحون الثلاثة المنافسون سيحصلون على نسب ضئيلة جداً من الأصوات. لكن المشكلة الرئيسية لدى الرئيس ليست في انتخابه، إنما كيف يستطيع، وسط التحدّيات والمخاطر التي تتعلق بالحدود، تسوية دين 29 مليار دولار خلال هذا العام (من أصل مجموع 165 مليار دولار ديون)، وسيكون على مصر تحمُّل ظروف صعبة للوفاء بالتزامات الديون وتدبير نفقات أخرى، لمواصلة مشروعات التنمية وتوفير السلع ومستلزمات الإنتاج.
ساهمت مصر بجدّية في المفاوضات بشأن إطلاق المحتجزين المدنيين لدى حركة "حماس"، وتلقّت لقاء ذلك إطراءات علنية كثيرة من الرئيس الأميركي جو بايدن وغيره من الزعماء الغربيين، لكن مصر ليس عليها الاكتفاء بشهادة شكر، وربما عليها استغلال الامتنان الأميركي من أجل الحصول على قروض إضافية من المؤسسات الدولية، وربما يدرك المصريون جيداً أنّ هذا الدعم لا يُمنح مجاناً، من دون مقابل سياسي، على الرئيس في فترة الولاية المقبلة أن يحدّده من دون أن يفرّط في الثوابت المصرية.
لا يمكن التغافل عن تناقضات الغرب، ففي حين تبدي منصّات إعلامية غربية امتنانها لدور السيسي في إطلاق المحتجزين لدى "حماس"، وجهود مصر في تدفق المساعدات والتجهيزات اللوجستية لاستقبال الطائرات وتفريغها ونقل المعونات من مطار العريش لتمرّ عبر معبر رفح، تتحدث المنصّات نفسها عن الرئيس الذي يستطيع أن "يلمّ شمل" المصريين مرّة أخرى، ويشيرون إلى انقسامات سياسية وأخرى مجتمعية نشأت بفعل إبعاد "الإخوان" عن السلطة، ويروّج بعضهم أنّ تجديد انتخاب السيسي رئيساً سيكرّس الانقسام. ويبدو أنّ ثمة اعتقاداً لدى بعض الدوائر الخارجية بأنّ في مصر انقساماً، ويصدّق بعضهم تلك المقولة بفعل ما تروّجه الآلة الإعلامية الضخمة لتنظيم "الإخوان" الإرهابي، أو ما تلوكه ألسنة بعض النشطاء من رواد برامج الفضائيات الذين أدمنوا الكلام، واستفادوا منه، منذ أن ضربت أعاصير الربيع العربي مصر في كانون الثاني (يناير) 2011.
وبطبيعة الحال، فإنّ كلام النشطاء وتنظيرهم في البرامج على شاشات "الإخوان"، حينما يمتزج مع مشاهد العنف الدموي الذي ترتكبه إسرائيل ضدّ الفلسطينيين، يجعل حملة "الاخوان" ضدّ الانتخابات المصرية تأخذ مسارات أخرى، بفعل مزاعم عناصر ذلك التنظيم الإرهابي عن مشاركة مصر في حصار غزة، رغم أنّ السيسي لم يُطلق شعار "على القدس رايحين شهداء بالملايين" بل صاح به مرشد "الإخوان" محمد بديع، وردّده وراءه كل عناصر التنظيم في ربوع الأرض، وحين جاءت اللحظة التي انتظر فيها الفلسطينييون أن يفي "إخوانهم" بالوعد وينقلوا الهتاف من الحناجر الى الواقع، وجدوهم يختفون ويتقاعسون ويتنصلون!

يدرك المصريون أنّ التخريب الذي يمارسه "الإخوان" انتقل من الداخل الى الخارج، بعدما صارت مؤامراتهم تُواجه بصرامة من فئات الشعب قبل الشرطة أو الجيش، ما جعل عناصر الخارج لا يتركون حدثاً من دون أن يستغلوه للإساءة إلى السيسي او تشويه أدائه.
نعم هناك تنظيم إرهابي له أنصار من المتأسلمين الراديكاليين يحاولون إفشال أي حكم غير حكمهم، حتى إذا وصل الحال بهم أن يهدموا البلد على من فيه، لأنّ ذلك أفضل لهم كثيراً، كما يعتقدون، من أن تثبت جهة أخرى أنّ الإسلاميين فشلوا في الحكم لسنة عانت فيها مصر أهوالاً بفعل فشل "الإخوان" وتحالفاتهم التي وصلت حدّ تسريب وثائق الدولة إلى أجهزة استخبارات لدول أخرى.
تعرّض السيسي لانتقادات لدعوته أشخاصاً تعاونوا مع "الإخوان" للمشاركة في الحوار الوطني، ونبّهوه الى أنّ مهمّة الرئيس المقبل تفعيل الدستور والقانون وليس "الطبطبة" على الخارجين عن النظام العام ومرتكبي الفوضى والفساد في آن، وفي سبيله لتحقيق ذلك ليس عليه أن يمنح الخارجين على القانون مكافآت على عنفهم أو جوائز على تراجعهم، إذا تراجعوا، وألاّ يطبّق القانون بمعايير مزدوجة أو متعددة، وأن يعمل لمصلحة مجتمع بأكمله، بكل مكوناته وأطيافه وقواه السياسية وفئاته العمرية وشرائحه الاجتماعية ومستوياته العلمية والثقافية، وأن يحترم أفكار ورؤى المعارضين له، إذا كانت لا تخالف الدستور والقانون طبعاً، لكن ليس شرطاً عليه أن يتبنّاها أو يؤيّدها أو يخضع لها، باعتبار أنّ الخلاف السياسي لا يعني انقساماً مجتمعياً، وأنّ ما حدث من "الإخوان" ومن داعميهم في الخارج ومعهم نشطاء تحالفوا مع ذلك التنظيم الإرهابي، لم يكن خلافاً سياسياً أو حتى صراعاً فكرياً أو ثقافياً، وإنما كان تحريضاً على العنف وجرائم، مطلوب من أي رئيس التصدّي لها ومقاومتها والقضاء عليها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان
4/29/2026 10:32:00 AM
هل ستُهاجم إسرائيل العاصمة بيروت؟
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
نبض