28-11-2023 | 05:20

فلسطين المنزوعة السلاح أو النووية؟

لم يوجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وإنما أبدى استعداده للموافقة على إقامتها مع وجود قوات لحفظ السلام بين حدود تلك الدولة وإسرائيل
فلسطين المنزوعة السلاح أو النووية؟
Smaller Bigger
لم يوجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وإنما أبدى استعداده للموافقة على إقامتها مع وجود قوات لحفظ السلام بين حدود تلك الدولة وإسرائيل، على أن تتفق الأطراف ذات العلاقة بالأزمة، على طبيعة تلك القوات وعددها وجنسيات عناصرها.
 
لكن الأهم، أنّ ما أعلنه السيسي ليس جديداً بالأساس، وإنما أمر جرى توثيقه في كل الاتفاقات الرئيسية بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية، ومنها اتفاقات أوسلو، واتفاقية غزّة أريحا أولاً، ومفاوضات كامب ديفيد عام 2000 واتفاقات جنيف غير الرسمية التي أُبرمت بين شخصيات فلسطينية غير رسمية وإسرائيليين من خارج الحكومة. والأمر نفسه جرى تطبيقه في الاتفاقات التي عُقدت بين إسرائيل وكل من مصر والأردن. كما أنّ الحاجة إلى ضمانات دولية وإلى تعاون إقليمي لمنع تجاوز اتفاقات السلام والنزاعات الحدودية، مسألة طبيعية وجرى تنفيذها بين مصر وإسرائيل وبين الدولة العبرية والأردن وعلى الحدود بين إسرائيل ولبنان.
 
 
لكن كلام السيسي فتح مجالاً لجدل بشأن مستقبل القضية الفلسطينية بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي على القطاع وتوقف الحرب، خصوصاً في مواجهة الأفكار الإسرائيلية التي تتسرّب، وفيها من التشدّد ما يصل حدّ مطالبات بتهجير الفلسطينيين إلى سيناء أو توزيعهم على مدن أوروبية، أو حتى بخنقهم في القطاع وإغلاق المعابر عليهم وتركهم حتى يموتون، وصولاً إلى إلقاء قنبلة نووية على القطاع للخلاص من أهله دفعةً واحدة، مروراً بخطط لوجود دائم للجيش الإسرائيلي في نقاط محدّدة داخل غزة، تسمح له بالانطلاق منها إلى الأحياء والمدن المحيطة، لمطاردة من يجرؤ على مهاجمة إسرائيل أو إظهار العداء لها!
 
في كل مفاوضات سابقة جرت بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية ستجد اتفاقاً صريحاً على ضرورة وضع قيود صارمة على القدرة العسكرية لأية دولة فلسطينية مستقبلية... وضع القيود على حيازة الأسلحة، والسيطرة على المجال الجوّي، ومراقبة الحدود وفرض قيود على المعاهدات العسكرية التي ربما تشكّل خطراً على أمن إسرائيل.
 
عندما أشار الرئيس السيسي إلى هذا الأمر في خطابه أمام الحضور في مؤتمر شعبي لدعم القضية الفلسطينية وتحفيز القطاع الأهلي المصري على التبرّع لقوافل المساعدات للفلسطينيين، فقد كان يشير، من دون أن يصرّح، إلى حقيقة أنّه من دون تبديد مخاوف الإسرائيليين من وجود قوة عسكرية للفلسطينين، سترفض اسرائيل أية تنازلات في أي محادثات سلام مستقبلية.
 
لا يضع السيسي اعتباراً لردود فعل تنظيم "الإخوان" الإرهابي وعناصره تجاه ما يطرحه من آراء وأفكار، وهو حين أعاد طرح فكرة الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح كرّر ما صرّح به رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) عام 2018، عندما أكّد أنّ "دولة فلسطين المستقبلية ستكون منزوعة السلاح من دون جيش وبوجود قوات شرطة غير مسلحة"، لكن منصّات "الإخوان" التي اصطادت كلام الرجل، واشتغلت عليه، لم تخالف عاداتها في المتاجرة بالقضية الفلسطينية والاصطياد في دماء الشعب الفلسطيني وإلهاء الناس عن هتاف "الإخوان" الشهير: "على القدس رايحين شهداء بالملايين"، باستهداف مصر والطنطنة بموضوع معبر رفح، بينما التنظيم الإرهابي لم ينظّم حتى ولو حملة دعم بمساعدات إنسانية للفلسطينيين، من حصيلة الأموال الضخمة التي يحصل عليها من الدول والجهات الداعمة لـ"الإخوان"، ويستخدمها التنظيم فقط في تخريب الدول التي تواجه مؤامراتهم وأعمالهم التخريبية.
 
بعيداً من سعي "الإخوان" لتخريب كل اقتراح يساهم في حلّ القضية الفلسطينية، فإنّ فكرة نزع السلاح تعود إلى أول اتفاق تمهيدي للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين، اتفاقات أوسلو، التي وقّع عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في سنة 1993، ونصّت الاتفاقية في المادة الثانية على أنّه "لضمان النظام العام والأمن الداخلي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزّة، سيقوم المجلس بتشكيل قوة شرطة قوية، في حين ستواصل إسرائيل تحمّل مسؤولية مواجهة التهديدات الخارجية".
 
كما تمّ اشتراط مطالب أساسية مشابهة في اتفاقية غزّة - أريحا لعام 1994 وهي الاتفاقية التي أتاحت نقل السلطة من إسرائيل إلى الفلسطينيين في قطاع غزّة ومنطقة أريحا، وأشارت صراحة في بندها الثاني على أنّه "باستثناء الشرطة الفلسطينية المشار إليها في هذه المادّة والقوات العسكرية الإسرائيلية، ينبغي عدم بناء قوات مسلّحة أخرى".
 
أما المفاوضات التي أجراها في كانون الأول (ديسمبر) 2000 رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك مع رئيس السلطة الفلسطينية عرفات، والتي عُرفت باسم "كامب ديفيد2"، فتضمن النصّ الإسرائيلي فيها أنّه ينبغي تعريف فلسطين بأنّها "دولة منزوعة السلاح"، في حين اقترح الجانب الفلسطيني "دولة محدودة التسلّح". وكحل وسط، اقترح الرئيس الأميركي وقتها بيل كلينتون عبارة "دولة غير مسلّحة". على أنّ هذا الاختلاف في المصطلحات لم يتعارض من حيث الجوهر مع الاتفاق الرئيسي الذي يستوجب فرض قيود على القدرة العسكرية للدولة الفلسطينية المستقبلية، ولم يكن سبباً في فشل المفاوضات التي انهارت في لحظاتها الأخيرة بسبب رفض عرفات التنازل عن السيادة الفلسطينية على القدس واعتراضه على تقاسم المسجد الأقصى مع إسرائيل.
 
أخيراً، كانت اتفاقات جنيف غير الرسمية، والتي وقّع عليها سياسيون فلسطينيون وإسرائيليون من خارج الحكم في سنة 2003، ونصّت على أنّ "فلسطين ينبغي أن تكون دولة غير مسلّحة وتتمتع بقوة أمنية قوية" (المادة 5، القسم 3) ، كما اتفق الجانبان على "الامتناع عن الانضمام إلى أي تحالف أو منظمة أو حلف ذي طابع عسكري أو أمني، أو التشجيع عليه أو التعاون معه، إذا كانت أهدافه أو نشاطاته تتضمن شنّ هجوم أو القيام بأعمال عدوانية أخرى ضدّ الطرف الآخر" (المادة 5).
 
ورغم تشكيل قوة كبيرة تابعة للأمم المتحدة لضمان تحويل جنوب لبنان إلى منطقة منزوعة السلاح بموجب القرار رقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن، لم تستطع هذه القوات منع "حزب الله" من بناء ترسانته العسكرية بسرعة، ولهذا تصرّ إسرائيل دائماً على مسألة مراقبة نزع السلاح ووضع قيود صارمة يفرضها جميع الأطراف. إنّها نفسها سمات اتفاقات الهدنة التي تلت إقامة دولة إسرائيل، والاتفاقية التي قادت إلى انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء بعد حرب 1956، واتفاقات فك الاشتباك التي تلت حرب سنة 1973، واتفاقات السلام المصرية - الإسرائيلية بعدها، كما أنّ معاهدة السلام الإسرائيلية - الأردنية الموقَّع عليها في سنة 1994 خصّصت منطقة ضيّقة منزوعة السلاح في الجانب الإسرائيلي من الحدود الدولية.
 
في كل الأحوال، بعد انتهاء العدوان على غزة وتوقف آلة الحرب، سيأتي دور السياسة، وسيجري بحث مسألة الدولة الفلسطينية، التي يرفض قيامها قطاع مؤثر في إسرائيل، سواء غير منزوعة السلاح أو حتى منزوعة الدسم، وستصبح القضية، إلى جانب العديد من النواحي الجوهرية الأخرى للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، جزءاً من عملية التفاوض، بينما سيظل المتاجرون بالقضية الفلسطينية يروّجون لأفكار خارج النسق المنطقي، ويصورون للبعض أنّ موازين القوى والظروف التاريخية تسمح بقيام دولة فلسطينية نووية.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان 4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار