23-11-2023 | 05:15

الثقافات وجسور الثّقة

اشتهر الكويتيون بالتجارة لعقود طويلة. فمخرت سفنهم عباب البحار حتى بلغت سواحل الهند والسند وأفريقيا. كانت البلاد باختصار ميناءً تجارياً حيوياً يؤمه القاصي والداني لشراء بضائعه التي سرعان ما تنفد. ومن منطلق الثقة، أقدم التجار الكويتيون على فكرة "المُسابلة" وهي المقايضة أو مبادلة السلع على أن يتم تأجيل الدفع لفترات زمنية يتفق عليها بين البائع والمشتري.
الثقافات وجسور الثّقة
Smaller Bigger
اشتهر الكويتيون بالتجارة لعقود طويلة. فمخرت سفنهم عباب البحار حتى بلغت سواحل الهند والسند وأفريقيا. كانت البلاد باختصار ميناءً تجارياً حيوياً يؤمّه القاصي والداني لشراء بضائعه التي سرعان ما تنفد. ومن منطلق الثقة، أقدم التجار الكويتيون على فكرة "المُسابلة"، وهي المقايضة أو مبادلة السلع، على أن يتم تأجيل الدفع لفترات زمنية يتفق عليها بين البائع والمشتري. 
 
ويقول الباحث حمد عبد الله في كتابه "المشكلة التجارية" إن مما "سهل عملية التبادل وانتشار المسابلة في المنطقة أن التاجر الكويتي بالعموم كان يوصف بسهولة التعامل والالتزام بكلمته". وكان أكثر من يتعامل معهم "أهل نجد" الذين يثق بهم الكويتيون بحكم الامتداد العائلي والعمق الاجتماعي، إذ كانت العملية تقوم كثيراً على "الثقة والأمانة". وكان الوعد الشفهي بالسداد أو القَسَم كافياً لتكتمل أركان الصفقة.
 
عنصر الثقة كان أساساً قديماً في البيع والشراء، غير أن مبدأ الثقة يتفاوت بين الشعوب. فعندما تعمق الباحث إدوارد هال في دراسته عن أنماط التواصل بين الشعوب، وجد أن أكثرهم استناداً إلى الثقة الشفهية (كلمة الرجال كما يقال) أو gentleman agreement هم بحسب الترتيب الصينية، والعربية، والأفريقية، واليونانية، والمكسيكية، والإسبانية. وعلى النقيض وجد العالم هال أن هناك شعوباً لديها تحفظ أو حذر شديد عند الاستناد إلى مبدأ الثقة الفضفاضة، وهم: الألمان، والإسكندينافيون، والأميركيون، والإنكليز، والفرنسيون، والإيطاليون. بمعنى أنهم يميلون إلى توثيق الأمور كتابة محاولين تجنب الوعود الشفهية، ويتقدم هؤلاء الألمان. ففي الثقافة الألمانية تعد الدقة والفعالية عنصرين مهمين في بناء جسور الثقة مع الآخرين. وعليه فهم يفضلون التواصل المباشر والواضح بشكل لا لبس فيه. وتبنى الثقة لديهم على مدى الالتزام بالقواعد المتفق عليها. والأمر نفسه ينسحب على البلدان في السياق المنخفض نفسه كبريطانيا وأميركا وأخواتهما. ولذلك يقول المثل الأميركي "الثقة تكتسب بقطرة وتفقد بغالون".
 
وفي البلدان ذات السياق المرتفع high-context مثلاً كالشرق الأوسط، نجد أن للعلاقات الشخصية والمكانة الاجتماعية دوراً في بناء الثقة، كما هي الحال في قصة المسابلة الشفهية في الكويت وغيرها.  
 
وهذا لا يعني أن الثقة الشفهية تنفي الكتابة، فمع تطور المعاملات التجارية حول العالم، وتشعب التبعات القانونية وخيارات التعاقد الواسعة، صار لزاماً توثيق كل خطوة. كما أن النفوس تغيرت والممارسات المشينة توسعت رقعتها الجغرافية. ولذلك يردد العرب دوماً الحديث الشهير "اعقلها وتوكل". ويقول الأتراك "ثق بالله لكن اربط جملك".
 
ويذكّرنا الأديب جبران خليل جبران بأن "كل شيء يمكن أن يكون له فرصة ثانية إلا الثقة". فهي كما يردد الألمان: كالزجاجة إذا كُسرت يصعب إصلاحها.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية