في تصريحه الذي خصّ به الصحافة الوطنية الأسبوع الماضي، اعترف رئيس الاتحاد الوطني للمستثمرين الشباب في الجزائر رياض طنكة، أنّ برنامج الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب الذي أُنشئ في عام 1996 لم ينجح. في هذا السياق لم يتطرّق حديث هذا المسؤول، كعادة الناشطين الجزائريين سواء على مستوى تنظيمات المجتمع المدني أو على مستوى الهياكل والأجهزة الرسمية التابعة للدولة، إلى الأسباب الحقيقية التي ما فتئت تلعب الدور السلبي في إفشال محاولات الوكالة نفسها، وفي إدخال الشباب الذين استفادوا من قروض الدولة في إطارها، في مشكلات معقّدة كثيرة منها على سبيل المثال عدم قدرتهم على تسديد مستحقات الديون المترتبة عليهم وفق الجدول الزمني المتفق عليه مع وزارة العمل والهيئات المتفرعة عنها، والإخفاق في المساهمة في ازدهار الاقتصاد الوطني وحمايته من التبعية المفرطة للخارج.
ولتجنّب استمرار هذه المشكلات، أكّد رياض طنكة أنّ الحل المناسب للخروج من النفق المسدود الذي حشرت فيه الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب، هو إحياء المشاريع الأكثر مردودية والتركيز على مجموعة من الآليات التي يمكن أن تساعد في تنفيذ هذه المشاريع تنفيذاً محكماً. وفي هذا الخصوص، حصر هذا المسؤول مقترحاته في مجموعة من النقاط التي نقلتها عنه صحيفة "الشروق اليومي" كالتالي: "إنشاء تنظيم جديد وقسم للتدقيق الداخلي على مستوى الوكالة الوطنية لدعم وترقية المقاولاتية، وتعديل تشكيلة لجنة انتقاء المشروع واشتراط التكوين المسبق لقابلية التمويل وإعداد شبكة تقييم المشاريع باعتماد معايير اقتصادية، وإلزامية التكوين في مجال المقاولات لحاملي المشاريع ووضع صيغ تمويل جديدة لصالح المؤسسات، وتطهير الديون البنكية المستحقة على المستفيدين من جهاز الوكالة الوطنية لدعم المقاولات وإعادة جدولتها لفائدتهم، وإعداد خريطة المناولة التي تضمّ كل الأنشطة الضرورية، ووضع منصّة رقمية للتعرّف على منتجي المعدات، وإعداد منصّة رقمية لتقديم بيئة المقاولاتية لحاملي المشاريع، والتكوين والتوعية في مجال المقاولات، وإطلاق دليل المقاول، مع توجيه تمويلات "أونجام" نحو مشاريع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني واستحداث حق الاستفادة من عطلة المؤسسة للموظفين".
من الواضح أنّ طنكة لم يحدّد المسؤولين عن فشل وكالة دعم تشغيل الشباب، كما أنّه تغاضى عن تسليط الضوء على الملابسات التي أدّت إلى إنشاء هذه الوكالة أصلاً في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.
وهنا نتساءل: ما هو المطلوب لتدارك الأخطاء الكبيرة التي أفسدت حياة آلاف الشبان وحولتهم إلى عالة على البنوك والبطالة المقنّعة؟ وهل صحيح أنّ الحل يكمن حقاً في تفعيل النقاط المذكورة والتي أثارها رئيس الاتحاد الوطني للمستثمرين الشباب رياض طنكة؟
في الواقع، فإنّ البطالة والتشغيل الجزئي غير المنتج للثروة هما نتاج غياب التنسيق والتكامل المدروسين وفق مخطط جدّي بين وزارة العمل من جهة وبين وزارة التكوين المهني والوزارات الأخرى التي يتخرّج منها سنوياً آلاف الطلبة الحائزين على الشهادات في مختلف التخصّصات ولا يجدون مكاناً لأنفسهم في سوق العمل إلاّ نادراً؟
وفي الحقيقة، فإنّ برنامج دعم تشغيل الشباب الذي ارتُجل في عام 1996، وبالذات في عهد الرئيس الراحل بوتفليقة، قد استنزف جزءاً مهمّاً من الاقتصاد الوطني الذي ما فتئ يعتمد بنسبة 80% على عائدات النفط على نحو نمطي.
كان الهدف المبطن من وراء إطلاق برنامج دعم تشغيل الشباب، أو لنقل توزيع جزء من الثروة الوطنية على فئة الشباب العاطل من العمل، هو تثبيت مشروع المصالحة الوطنية والوئام المدني بسلاسة للتخلّص من إرث العشرية الدموية من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ الارتجال الذي طغى في ذلك الوقت على المحاولات الرامية إلى القضاء على البطالة، كان يرمي بشكل غير مباشر إلى تلميع صورة الرئيس بوتفليقة بين أوساط شريحة الشبان البالغين سن المشاركة في التصويت في الاستحقاقات الانتخابية الوطنية. وفي هذا الخصوص، يتفق المعلّقون السياسيون على أنّ تقديم القروض للشباب لم يخضع لأي معيار اقتصادي بل تميّز بكونه مجرد لعبة سياسية بهدف شراء أصواتهم في الانتخابات لصالح المرشح بوتفليقة. وإضافة إلى ذلك، فقد تمّ استخدام الأموال لاحتواء الانتفاضات التي بدأت تطلّ برأسها هنا وهناك في بعض المحافظات الجزائرية وفي الفضاء المغاربي والعربي.
أما المعالجات الراهنة التي يتمّ طبخها في إعادة النظر في آليات دعم تشغيل الشباب، فإنّها لا تخلو أيضاً من أهداف تكريس سياسات احتواء الإحباط الذي أصاب قطاعاً واسعاً من المواطنين، وبخاصة المتقاعدين الذين يُصنّف دخلهم تحت خط الفقر، والشباب المتزوجين الذين يعصف بهم غلاء المعيشة، وعدم تناسب رواتبهم الشهرية مع مستحقات الحياة اليومية. ويلاحظ كذلك توظيف الأجهزة السياسية لهذا الدعم الخاص بتشغيل الشباب من أجل تفكيك بقايا الحراك الشعبي.
بالنظر إلى ما تقدّم، فإنّ المراقبين الاقتصاديين وذوي الخبرة في إدارة الأزمات وحل القضايا الاجتماعية المعقّدة، يرون أنّه يمكن أن يكون خيار دعم تشغيل الشباب له جانب إيجابي تمَّ ربطه بإنتاج الثروة التي تكسر حدّة التضخم، وتقلّل من وطأة الاستيراد من الخارج وتفضي إلى صنع فضاء تنعدم فيه البطالة.
إنّ الحل المُطبّق حالياً، والذي يتمثل في منحة البطالة الرمزية التي تمنح شهرياً بمبلغ 15000 دينار جزائري (حوالى 100 دولار شهرياً تقريباً) بهدف تجاوز الآثار المدمّرة لظاهرة غلاء المعيشة، سوف تنجم عنه، بحسب تقديرات خبراء الاقتصاد والأزمات الاجتماعية، آثار سلبية منها الإخلال بالقواعد والآليات التي بموجب تفعيلها عملياً يتمّ الشروع عادةً في بناء دولة الرعاية الاجتماعية التي يفترض أنّها تتأسس جوهرياً على الإنتاج المتعدد والمتنوع، وليس على استهلاك عائدات النفط الجزائري كما هو الوضع راهناً.
إلى جانب ما تقدّم، فإنّ هؤلاء الخبراء يعتقدون أنّ السلطات الجزائرية سوف تجد نفسها في المدى المنظور أنّها تقوم بترسيم شكل من أشكال البطالة كأمر واقع في المجتمع الجزائري، بدلاً من ربط منحة البطالة التي يستفيد منها الشباب بالدرجة الأولى بشروط ثلاثة، وهي عدم تحويل هؤلاء إلى قاطنين في البيوت وشبه متقاعدين قبل الأوان، ومعزولين عن فضاءات الانتاج أو التكوين بمختلف أنواعهما، وذلك بخلق بدائل تنشطهم مثل تكليفهم بممارسة نشاطات منتجة بحسب تخصص كل مستفيد من هذه المنحة، أو جعلهم ينخرطون في عمليات تكوينية مكثفة ومتواصلة في المدارس العليا ومعاهد التكوين المهني، وذلك تحت إشراف مؤطرين لهم خبرة عالية وبرعاية الوزارات المعنية مثل التكوين المهني، التربية والتعليم، والفلاحة والسياحة والصيد البحري، والصناعة وغيرها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
الولايات المتحدة
6/3/2026 6:16:00 AM
السجال الذي أعقب المكالمة أعاد طرح أسئلة تتعلق بمستقبل الجبهة اللبنانية، وبالعلاقة بين ترامب ونتنياهو، وبحدود استقلالية القرار الإسرائيلي.
لبنان
6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان
6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.
نبض