تؤثر الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط وتحديداً في غزة، على الجهود الدولية في مكافحة الإرهاب، خصوصاً أنّ احتمالات تطورها ما زال قائماً، بل كل المؤشرات تذهب إلى ذلك، في ظلّ وجود حالة من الاستقطاب الدولي إزاء هذه الحرب، ربما تشي باتساع نطاقها ليس على مستوى المنطقة العربية ولكن على نطاق إقليمي ودولي أيضاً.
ما زالت الصورة ضبابية وكل السيناريوهات المطروحة على الطاولة مقبولة واحتمال تحقّقها وارد بصورة كبيرة، ولا أحد يستطيع أن يجزم بسيناريو من دون الآخر في ظلّ تطور الموقف اللحظي للصراع بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وما زال المجتمع الدولي أيضا عاجزاً، على الأقل حتى هذه اللحظة، عن نزع فتيل الأزمة أو على الأقل التقليل من حدّة المخاطر المتوقعة جراء الصراع في المستقبل.
الحرب التي تقوم بها إسرائيل على غزة قد تُغذّي جماعات وتنظيمات دينية متطرّفة للدخول على خط المواجهة؛ فظروف الحرب هذه توفّر البيئة الحاضنة للإرهاب، وهنا نفصل القول، بين التنظيمات المشار إليها وبين حركات المقاومة الفلسطينية، التي أعطتها الاتفاقيات الدولية حق المقاومة بهدف التحرّر، وهذا ليس تبريراً لبعض أفعال "حماس" إزاء استهداف بعض المدنيين داخل الخط الأخضر، ولكنه قراءة في واقع تسوده الضبابية خلال الأيام المقبلة في ما يخصّ هذا الصراع.
في كل الأحوال، ليست هذه هي النقطة المفصلية في ملف مواجهة الإرهاب المتوقع على خلفية الصراع، فيبدو أنّ انشغال المجتمع الدولي بهذا الصراع المرجح تصاعده واستمراره لفترة أطول، سوف يؤثر سلباً على جهود مكافحة التنظيمات المتطرّفة التي باتت تُهدّد أمن المنطقة العربية بل والعالم.
وللتذكير، انّ هذه الجهود قد تأثرت فعلياً بالحرب الروسية في أوكرانيا قبل أكثر من عام ونصف عام، وانشغال الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بهذا الصراع المستمر حتى الآن، فضلًا عن عدد من الانقلابات العسكرية في غرب ووسط إفريقيا، حيث أعطت هي الأخرى مساحةً أكبر لنمو هذه التنظيمات، خصوصاً أنّ هذه الانقلابات أثرت على وجود القوات الأميركية والفرنسية لمواجهة التنظيمات المتطرّفة في القارة السمراء.
صحيح أنّ التنظيمات المتطرّفة التي كانت ترفع شعار تحرير فلسطين لم يُسمع صوتها حتى الآن، بما يعني أنّها كانت تستغل هذه القضية أو ربما تختبئ خلفها، إما من باب تبييض وجهها أو أنّها تبحث عن قضية يجتمع عليها المسلمون والعرب، من أجل أن تُقدم نفسها، وهذه أيضاً ليست دعوة من أي نوع لهذه التنظيمات، ولكن قراءة لها ولسلوكها، مع محاولة استشراف مستقبلها ومستقبل الصراع.
شهدت مصر ولادة جماعتين متطرّفتين، إحداهما بإسم "أنصار بيت المقدس" والأخرى بإسم "أكناف بيت المقدس"، ولعلّ الأخيره كانت تضمّ تحت لوائها عدداً من الجماعات التي أرادت أن تعمل معها، ولكن كلا التنظيمين رغم أنّهما وفق اسميهما متعاطفان مع القضية الفلسطينية أو جعلاها قضيتهما الأولى، إلاّ أنّهما خصّصا هجماتهما على الجيش المصري في الجزء الشمالي من سيناء، وهنا تبدو صورة وحقيقة هذه التنظيمات وعلاقتها بالقضية الفلسطينية والدفاع عن الشعب الفلسطيني!
الحرب الدائرة في شرق أوروبا والصراع في منطقة الشرق الأوسط مع الانقلابات العسكرية التي ضربت غرب ووسط إفريقيا، أثّرت كلها على جهود مكافحة الإرهاب الدولية، بل الحرب الدائره في فلسطين حالياً سوف تمثل بيئة خصبة لجماعات العنف والتطرّف، فأي استخدام مفرط للقوة من دون وجود حلول تستند إلى القوانين الدولية والشرعية سوف يصبّ في صالح جماعات العنف والتطرّف أو على الأقل يُوفّر بيئة خصبة لها.
تنبّه المجتمع الدولي للأزمة
تتصاعد وتيرة الإرهاب المتوقع خلال الفترة المقبلة، بخاصة وأنّ البيئة الحالية تبدو جاذبة لجماعات العنف والتطرّف؛ فالعالم لم يتخلّص بعد من "داعش" التي نجحت في إقامة دولة لها في منطقة الشرق الأوسط في 29 حزيران (يونيو) من العام 2014، حتى ينشغل بصراع، حتماً سوف يؤدي إلى تسويق الكراهية وانتشار الإرهاب.
على العالم أن يُدرك خطورة الصراع والانخراط فيه، كما لا بدّ للأمم المتحدة ومجلس الأمن أن يكون لهما دورهما في الحدّ من الصراع وحالة الاستقطاب الدولي للحفاظ على هدوئه أولًا، وحتى لا تنشأ بيئة خصبة تسمح بوجود جماعات العنف والتطرّف ثانياً.
فالعنف دائماً يُولّد عنفاً، وربما غياب الحق يؤدي إلى الطريق نفسه، ونحن هنا لا نطلق على محاولات الحصول على هذا الحق عنفاً أو إرهاباً، ولكننا نعلّق على محفّزات الكراهية التي تنتشر بصورة كبيرة داخل منطقة الشرق الأوسط بسبب استمرار هذا الصراع.
على العالم أن يتنبّه إلى معركة مهمّة تتعلق بمواجهة خطاب الكراهية الذي بدأ ينتشر في مناطق كثيرة من العالم وليس منطقة الشرق الأوسط فقط، ومثل هذه الجهود لا بدّ من أن تكون جماعية وأن يكون هناك تعاون بين المجتمع الدولي في مواجهة هذه التنظيمات وتفكيك خطابها.
لا ضرورة لإنشاء تحالف دولي وإقليمي لمواجهة الإرهاب، ولكن لا بدّ من أن تكون هذه هي مهام التحالف الدولي لمواجهة "داعش"، بحيث يكون ضمن أهداف هذا التحالف القضاء على بواعث الإرهاب والتطرّف، وأن يسعى هذا التحالف لحلّ الصراع على أساس المقررات الدولية من عودة الحق الفلسطيني وحل الدولتين. لو فعل التحالف المتخيّل أو حتى القديم ذلك، فقد يقترب من تفكيك البيئة الخصبة لانتشار الكراهية، وهذا ما يجب أن يفكّر فيه العالم وأن يعمل من أجله.
تحتاج المنطقة العربية أيضاً إلى تدخّل المجتمع الدولي لحلّ الصراع الذي وصل عمره إلى أكثر من سبعين عاماً عبر السياسة والديبلوماسية وعودة الحقوق المشروعة للفلسطينيين؛ فمن دون عودة هذه الحقوق والضغط على إسرائيل لتنفيذ ذلك، سوف تظلّ المنطقة مشتعلة، وربما لا يمكن السيطرة عليها، واحتمال أن تمتد ألسنة اللهب إلى دول أخرى، وبذلك يتمدّد الصراع ويتسع أكثر، والمستفيد الوحيد من هذا الصراع بهذه الصورة هو جماعات العنف والتطرف.
أخيراً لا بدّ من أن يُدرك العالم الحر أنّ استمرار الحرب الدائرة الآن سوف تظهر نتائجها في القريب العاجل وسوف يُؤدي ذلك إلى انتشار العنف؛ وأكرّر قبل أن أختم مقالي هذا، أنّ الحديث عن جماعات العنف والتطرّف، وليس عن حركات المقاومة التي تبحث عن حقها في تحرير أراضيها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
اقتصاد وأعمال
5/25/2026 7:07:00 AM
بموجب التوجه المطروح، فإن المستفيد الذي يتقاضى ألف دولار شهريا ضمن التعميم 158 سيستمر بالحصول على المبلغ نفسه لمدة سنة إضافية تبدأ اعتبارا من تموز 2026 وتمتد حتى تموز 2027
لبنان
5/25/2026 12:00:00 AM
نقلت مراسلة "النهار" في باريس عن مصادر رفيعة متابعة للملف اللبناني في العاصمة الفرنسية، أن الاتفاق الأميركي الإيراني إذا أُبرم سيكون على حساب لبنان بالنسبة إلى نزع سلاح "حزب الله"
نبض