07-10-2023 | 05:10

الحروب المقدّسة في سيناء

خمسون عاماً مرت على انتصار "أكتوبر" المجيد عام 1973 وهزيمة إسرائيل في عقر دارها؛ فما زالت الذاكرة تحمل تفاصيل هذه الحرب ودروسها، ولعلها الحرب الأكثر إلهاماً لكل العرب على مدار العقود الخمس الماضية، فما هي إلا صورة من بطولات الجيش المصري في مواجهة العدو الإسرائيلي.
الحروب المقدّسة في سيناء
Smaller Bigger
خمسون عاماً مرت على انتصار "أكتوبر" المجيد عام 1973 وهزيمة إسرائيل في عقر دارها؛ فما زالت الذاكرة تحمل تفاصيل هذه الحرب ودروسها، ولعلها الحرب الأكثر إلهاماً لكل العرب على مدار العقود الخمسة الماضية، فما هي إلا صورة من بطولات الجيش المصري في مواجهة العدو الإسرائيلي.
 
سيناء هي جزء عزيز من الأرض، سالت عليها الدماء المصرية الزكية وما زالت؛ فهي الأرض المقدسة التي كلم الله فيها نبيّه موسى عليه السلام، وفي واديها نزلت وصاياه العشر، فالدفاع عنها ديناً لم يفرط فيه المصريون وهو عقيدة راسخة حافظت عليها القوات المسلحة المصرية على مدار العقود.
 
مصير الأرض المقدسة أنها في صراع دائم، فما تخرج من حرب حتى تدخل في أخرى، ولمَ لا وهي التي ذكرت في كل الكتب المقدسة، بدءاً من التوراة والإنجيل وانتهاءً بالقرآن الكريم، حيث ذكرت في أكثر من موضع، خصوصاً الوادي المقدس طوى الذي ناجى الله فيه نبيه موسى، حيث قال تعالى في سورة طه: "إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى".
 
سيناء أرض مقدسة أتى ذكرها في كل الكتب السماوية بلا استثناء، واجهها أعداء الخارج، وفي مقدمتهم دولة إسرائيل التي خاضت حرباً طويلة كان هدفها احتلال سيناء على غرار احتلالها للأراضي العربية في فلسطين عام 1948، فاحتلال إسرائيل لسيناء تم عسكرياً فقط، ولكن الأهداف الدينية وطبيعة المدينة الساحرة ربما كانت محركاً رئيسياً لقادة إسرائيل يوماً ما.
 
لم ينته الصراع على سيناء بمجرد تحريرها قبل خمسين عاماً في حرب ما زالت تُدرس في المعاهد العسكرية حتى الآن، نظراً لتخطيطها وإدارتها ونتائجها في ما بعد. صحيح خرجت إسرائيل من الأرض وعادت مرة ثانية إلى حضن الوطن في مثل هذه الأيام، ولكن ما إن خرج أعداء الخارج منها حتى حط عليها أعداء الداخل، حيث حاولت تنظيمات العنف والتطرف استيطانها، لا سيما الجزء الشمالي منها، وما زالت مصر تخوض حرباً طويلة الأمد ضد التنظيمات المتطرفة فيها، تلك التي سكنت الجبال والأودية وخالطت النّاس حتى يتمكنوا منها، فهذه التنظيمات أرادت أن تحقق ما فشلت فيه إسرائيل!
 
ظهر تنظيم ما يُسمى بأنصار بيت المقدس في شمال سيناء، ورغم تسميته بأنصار بيت المقدس، إلا أنه لم يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل بل وجّه كل قذائفه إلى صدور المصريين، سواء الذين كانوا يسكنون سيناء أو باقي المحافظات المصرية، بل كان الهجوم أكثر ضراوة ضد القوات المسلحة، ضباطاً وجنوداً، وكأن هذا التنظيم يُريد أن ينتقم ممن انتقموا من إسرائيل التي اغتصبت الأرض وقاتلت المصريين، فلقّنتهم القوات المسلحة درساً لم ولن ينسوه عبر التاريخ.
 
وهنا يبدو التكامل في الأدوار بين ما قامت به إسرائيل قديماً وما تقوم به الجماعات المتطرفة في سيناء حالياً؛ بل يبدو هذا التكامل أكثر وضوحاً من عدم تعاون القوات الإسرائيلية التي ترصد تحركات بعض المجموعات المتطرفة في سيناء، وهو ما نسميه بالتكامل الوظيفي، فالجماعات المتطرفة في سيناء، وفي مقدمتها جماعة أنصار بيت المقدس أو "داعش سيناء"، تقوم بدور وظيفي تخدم من خلاله إسرائيل.
 
وكأن الله قد كتب القتال على أهل هذه الأرض دفاعاً عنها، وكأن الله كتب الرباط على القوات المسلحة المصرية، التي كانت وما زالت تُدافع عن الأرض المقدسة في سيناء، والتي سوف تظل في عقل كل المصريين وقلوبهم؛ فحلقات الحرب والصراع سوف تظل متصلة إلى يوم الدين، ولمَ لا وهي التي كلم الله فيها النبي موسى عليه السلام.
 
نصر تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973 لم يكن حالة استثنائية في حياة المصريين؛ فهي حرب خاضها كل العرب ضد إسرائيل، وفي القلب منهم القوات المسلحة المصرية، ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الأميركي والأوروبي لها، إلا أن النصر كان حليف المصريين، فبالإرادة يمكن أن تحقق المستحيل وتخترق جدرانه، ولهذا سوف تظل هذه الحرب وروح "أكتوبر" حيّة في قلوب كل المصريين والعرب مهما بعدت الأزمان.
 
نصف قرن مرت على حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 وما زالت عقيدة المقاتل المصري كما هي لم تتغير؛ فما زال يقف بسلاحه دفاعاً عن الأرض التي سبق وسالت عليها دماء أجداده؛ فمهما كان إصرار الأعداء، فعقيدته لا يمكن أن تتزحزح ولكنها تزداد قوة وصلابة في المواجهة، ومهما قويت شوكة هؤلاء المتطرفين فيوماً ما سوف تزول قوتهم كما زالت قوة غيرهم وبقيت الأرض المقدسة يحفظها أهلها وترعاها عين الله.
 
زرت سيناء مرات عديدة، وفي كل مرة أشعر بقداسة الأرض وتعظيم الله لها، وأستحضر أن الله خصها بعنايته في كل وقت وحين؛ فرغم أن الذين اغتصبوها باسم الرب، سواء كان هؤلاء احتلال أجنبي أو محاولات من قبل أشرار الداخل أو تنظيمات العنف والتطرف، إلا أن الله كان ينصر عباده على هؤلاء الأعداء الذين كانوا يدّعون أنهم عباده المختارون وهم في الحقيقة مغتصبون للأرض والدين.
 
أهالي سيناء كانوا وما زالوا يُدافعون عن تُرابها الذهبي، وقد شكلوا نواة صلبة لمواجهة المتطرفين الذين دنسوا أرضها مع بعض الأغراب الذين توطنوا فيها من أجل مواجهة القوات المسلحة المصرية التي حافظت عليها؛ فأهل سيناء هم الأبطال الحقيقيون الذين تفخر بهم مصر دائماً، وهؤلاء هم ظهر القوات المسلحة المصرية وسندها في مواجهة المحتل لهذه الأرض قديماً وحديثاً.
 
فكما أن الله خص هذه الأرض بأنه كلّم فيها نبيه موسى عليه السلام، فإنه خص ساكنيها، فحق لهم أن يفتخروا بأنهم من أهالي سيناء شمالاً وجنوباً؛ هم المدافعون عن الأرض على مر التاريخ، الأرض المقدسة التي كانت وما زالت مطمعاً للأعداء في الداخل والخارج.
 
قداسة هذه الأرض وتفضيل الله لها جعلها دائماً محط أنظار الأشرار وجعل أهلها في رباط إلى يوم الدين، يُدافعون عنها بالغالي والثمين؛ فسوف تظل سيناء المصباح المدلى في سماء القاهرة، والقلادة الذهبية على صدر هذا البلد، كما ستظل دماء أهلها باعثاً على المواجهة والحفاظ عليها في الوقت نفسه.

الأكثر قراءة

ثقافة 5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
اقتصاد وأعمال 5/25/2026 7:07:00 AM
بموجب التوجه المطروح، فإن المستفيد الذي يتقاضى ألف دولار شهريا ضمن التعميم 158 سيستمر بالحصول على المبلغ نفسه لمدة سنة إضافية تبدأ اعتبارا من تموز 2026 وتمتد حتى تموز 2027
لبنان 5/25/2026 12:00:00 AM
نقلت مراسلة "النهار" في باريس عن مصادر رفيعة متابعة للملف اللبناني في العاصمة الفرنسية، أن الاتفاق الأميركي الإيراني إذا أُبرم سيكون على حساب لبنان بالنسبة إلى نزع سلاح "حزب الله"
لبنان 5/24/2026 10:17:00 PM
لم تلقَ هذه المواقف أي تبرير...