06-10-2023 | 05:00

الازدراء المبطّن

لفت نظري خبر تصدّر صحيفة "التايمز" اللندنية أمس، فقد غرّمت هيئة تحكيم أحد المسؤولين في بريطانيا مبلغ 130 ألف جنيه إسترليني، لأنّه طرد سبّاكاً من مجموعة التواصل عبر "واتسآب"
الازدراء المبطّن
Smaller Bigger
لفت نظري خبر تصدّر صحيفة "التايمز" اللندنية أمس، فقد غرّمت هيئة تحكيم أحد المسؤولين في بريطانيا مبلغ 130 ألف جنيه إسترليني، لأنّه طرد سبّاكاً من مجموعة التواصل عبر "واتسآب" كانت تضمّ 15 موظفاً. وغرّمت قاضية هيئة تحكيم سارة جورج، المسؤول في إحدى الشركات الحكومية، 15 ألف جنيه إسترليني لمصلحة المتضرّر، "وذلك لجرح مشاعره". ويُعتقد أنّ أحد أسباب طرده كانت إصابة أسفل الظهر، إذ طلب منه الطبيب البقاء في إجازة طبية كي يتماثل للشفاء.
 
القاضية سارة، تقول إنّ مجموعة الدردشة أُنشئت أصلاً "لتبادل معلومات مهمّة تتعلق بالعمل وإجراءات الأمن والسلامة"، وإنّ المسؤولين قد أخبروه بأنّ إخراجه من "غروب واتسآب" كان على اعتبار أنّه في إجازة (مرضية)، وأنّهم لم يتواصلوا معه في إجازته حتى لا يُفاقموا وضعه الصحي، وهي مبرّرات لم تقبلها القاضية. وربما ما فاقم الأمر، أنّ المتضرر (60 عاماً) حاول تقديم طلب العودة إلى العمل بعد سماح الطبيب المختص له، لكن طلبه قوبل بالتجاهل، وهو ما اعتُبر تصرفاً عنصرياً بسبب وضعه الصحي وعمره. وقد حكمت القاضية له بمبلغ 134 ألف جنيه تعويضاً، شاملاً تعويض الضرر النفسي (15 ألفاً).
 
إنّ عواقب العنصرية وخيمة، فهي تُشعل نار التفرقة، والتمييز، والعنف، وتزعزع الاستقرار في المجتمعات فضلاً عن أضرارها المادية والمعنوية على المتضرر. وثمة من يمارس طيف العنصرية وهو الازدراء المبطّن لاعتبارات متعدّدة معظمها غير وجيهة.
 
الحلول لمكافحة هذا السلوك المبطّن عديدة، لكنها مجرد محاولات لتقليل تداعياتها، ولا يمكن القضاء عليها كليةً في شتى أرجاء المعمورة. فرغم أنّ المجتمع الدَّوْلي اعتمد الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري عام 1965، إلاّ أنّ شبح العنصرية وازدراء الآخرين يطلّ علينا في كثير من الخطابات الانتخابية، والسياسية، والاجتماعية، ومقت الأجانب، والأسوأ العنصرية في بيئة العمل... مصدر قوت الناس.
 
وإذا ما تفشّى الازدراء الخفي، فإنّه أسرع أداة لوأد الموهوبين والعباقرة. والناظر إلى قائمة الفائزين بجائزة نوبل، يجد أنّ كثيراً منهم، إن لم يكن جلّهم، يتحدثون بـ"لكنة" مغايرة لأهل البلد، لكنهم استحقوا المواطنة، والتقدير، والثناء، والعيش على ترابها، لعطائهم المتفاني في خدمة العلم والعلماء.
 
والناظر إلى المباني الحديثة في بريطانيا، لا يكاد يجد حياً سكنياً مقتصراً على الأثرياء فقط، فتجد منزلاً فسيحاً بجانبه مجموعة من المساكن الصغيرة المتلاصقة أو الشقق بأسعار مناسبة affordable حتى لا تستأثر ثلة أرستقراطية بحي سكني على حساب الفئات الأخرى.
 
وينشأ الازدراء من النظرة القاصرة إلى الآخرين. وعلى النقيض قد ينشأ الازدراء من الفرد نفسه، كما يعتقد الفرنسي شارل ديغول، الذي قال عبارته الشهيرة: "ليس من هيبة دون غموض فالأُلْفةُ تُوَلِّدُ الازْدِراءَ". فأولئك الذين ينشرون غسيلهم وآمالهم وتطلعاتهم ودقائق يومياتهم، ربما لا يحظون بالتقدير بل بشيء من الازدراء الخفي. فمن طبيعة المرء أن يقلّل من قيمة ما يألفه.
 
والمفارقة، أنّ منطلقات من يزدرون الآخرين مختلفة. ولذلك يقول توماس فولر "الازدراء أسرع من الانتقام في ردّ الإساءة". وربما هي حالة موقتة أو جسر إلى ما هو أسوأ.
 
وثمة تداخل بين مفهومي العنصرية والازدراء، وإن كنت أرى أنّ الأخير هو جزء لا يتجزأ من العنصرية المقيتة.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية