25-08-2023 | 06:00

فيما تتسلّى إسرائيل بقصّ العشب تنمو الغابات من حولها!

أزعم ان إسرائيل تمر الان بواحدة من أخطر لحظاتها. قررت ان اكتب لكم عن ذلك، لا لتأكيد أوهام ظافرية، بل لعقلنة النقاش الاحمق في إقليمنا، والذي يبدو، مثل كل الأمراض المعدية، عابرا للحدود.
فيما تتسلّى إسرائيل بقصّ العشب تنمو الغابات من حولها!
Smaller Bigger
أزعم أن إسرائيل تمر الآن بواحدة من أخطر لحظاتها. قررت أن أكتب لكم عن ذلك، لا لتأكيد أوهام ظافرية، بل لعقلنة النقاش الأحمق في إقليمنا، والذي يبدو، مثل كل الأمراض المعدية، عابراً للحدود.

تقبر حكومة نتنياهو العملية السلمية بوعي كامل، وتدفن من دون هوادة المبادرة العربية للملك عبدالله. فلحظة وصول نتنياهو إلى السلطة من جديد، صارت الجغرافيا التي يعيش عليها الإسرائيليون والفلسطينيون، والممتدة من البحر إلى النهر، دولة واحدة وأمراً غير قابل للارتداد. لم تعد فلسطين ممكنة كدولة موعودة، لتصير السلطة الفلسطينية متعهداً أمنياً عن الإسرائيليين، ولتصبح عملية السلام وهماً وتبريراً لاستمرار الاضطهاد، وليعيش العرب في سجن تحت قانون سيادة إسرائيلي تعسفي، أصبح أداة لتأبيد الأزمة. 
 
لا تطيح الحكومة اليمينية المتطرفة الديموقراطية الداخلية في إسرائيل وحدها، ولا تدفن مبادرة السلام العربية وحسب أيضاً، بل تعلن بألسنة قادتها أنها تسعى لـ"الحل النهائي". فكما في 1948، يمكن تطفيش الفلسطينيين نحو الأردن وسوريا ولبنان، بعد دفعهم نحو فعل طائش يائس. فيا له من وهم مغامر! وليس هذا الطيش إلا بعضاً من أزمة إسرائيل! 
 
فجوهر أزمتها يكمن في نفاق العسكرية الإسرائيلية، إذ يوهمون الجمهور بـ"السيطرة على الموقف". لكن بينما تتسلى بقصف سوريا، لـ"قص العشب الإيراني"، تنمو الغابات من حولها. وهي تعلم أنها لا تدمّر إلا أقل من نصف الوارد. وبينما توهم إسرائيل نفسها بإمكان تفكيك البرنامج النووي الإيراني عبر العمليات الاستخبارية، تجد نفسها في النهاية أمام برنامج مكتمل، وقنبلة تكاد تصبح على الرف. وبعدها ها هي دول الإقليم تتسابق نحو ردع موازٍ. كل ذلك وهم ويبيعون الأوهام للمجتمع، متلطين بنجاحات تكتيكية بارعة، فلا حاجة للسلام ولا للتنازل لا للفلسطينيين ولا للعرب ولا حتى للأميركيين. 
 
وعلى مر السنين، تمكنت النخب الدبلوماسية الإسرائيلية من إحباط المحاولات الجادة لإغلاق الصراع. لكنها تعلم تماماً أنه رغم كامب ديفيد ووادي عربة واتفاقات أبراهام لم تغلق الصراع، لا في مصر ولا في الأردن، فكيف في سوريا وفلسطين، بل كيف مع المملكة العربية السعودية.
 
بل الأنكي، أن غرور القوة وعنجهية اللحظة، قطعا الطريق على التقاط المبادرة العربية التي طرحها الملك عبدالله، كفرصة مشرفة لإغلاق الصراع وإنهاء المطالب. بل تم إقناع الجمهور بأن إسرائيل تستطيع العيش طويلاً مع حالة الحرب بين الحروب، ومع التهديدات الطرية لانتفاضة ثالثة أو رابعة أو حملات غزة المتتالية.
 
لكن التحولات الاستراتيجية الأخيرة في الوضع العربي، ودخول إيران وتركيا كجارتين منافستين فعلياً لإسرائيل، غيّرت المشهد. 
وكما تظهر الحرب الأوكرانية، لم تعد وسائل الحرب وأسلحتها اللامتناظرة، من صواريخ ومسيرات واختراق إلكتروني، حكراً على الميليشيات، بل صارت مبذولة لكل دول الإقليم، لتخلق ردعاً جديداً وفريداً. 
 
وحين يدير القط الأميركي ظهره، سيندلع هذا الصراع في الإقليم من دون رحمة، وهيهات كيف نصل إلى لحظة التوازن. لو كان الردع، هو ردع البندقية للبندقية وردع القوة المحضة، لانتصرت أميركا في أفغانستان أو العراق. لكن الردع، في آخر المطاف، هو ردع الحكمة التاريخية والسياسية، حيث يتمكن طرف من إنفاذ إرادته في الصراع رغم ضعفه أو قوته. 

وبعد، من قال إن العرب سيتحالفون مع إسرائيل لأنها ستقوم بعمل ما ضد إيران؟ إنهم يعرفون أن إسرائيل لن تفعل، بل لا تستطيع أن تفعل، من دون الولايات المتحدة. ويعرفون أن الولايات المتحدة لن تذهب إلى الحرب ضمن أي سيناريو جدي. لذلك يمكن أن نؤكد أن عمليات التطبيع العربية لم تجر ضد إيران، ولا من أجل إخراجها من الإقليم. ورغم الحنق الإسرائيلي البادي، يفاوض العرب، وعلى رأسهم المملكة، إيران، ويبحثون مختلف جوانب الأزمة في الإقليم، من دون حضور مباشر لإسرائيل. 

لا تنبع المخاطر الجدية من البرنامج النووي على الإقليم بما فيه إسرائيل، واحتمال انتشار سباق التسلح بشتى صنوفه فحسب، بل تنبع من العملية الجارية لإعادة تشكيل وإعادة الانتشار الاستراتيجي في الإقليم. 
ومع استبعادنا لحرب إقليمية شاملة، وفي مناخ الفطام الأميركي، (والروسي)، يصبح الحسم رهناً بنمط جديد من الردع، وهو ما لم يقلب المعادلات. 

تتخلى الولايات المتحدة طوعياً ونهائياً عن وهم كونها شرطياً دولياً. بل هي لن تنزل جنودها على أي أرض إلا بحسب مصالحها الإستراتيجية المباشرة. أما إيران، كدولة مارقة، فحسب دول الإقليم أن تتدبرها. وفوق كل ذلك، ساهمت تذبذبات تحالفات إسرائيل الدولية، في تراجع قدراتها على الاحتفاظ بدور إيجابي فاعل للولايات المتحدة في القضايا الحيوية لأمنها القومي.
 
والآن، في سياق تفكك العولمة، وتفكك الإقليم، وتفكك السلطة الفلسطينية، يسود الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية شعور بعنجهية اللحظة، لكن لعل بعض الحقائق تفوتهم! 
 
ليس أولاها سقوط حل الدولتين، ولا آخرها الصراع الإقليمي المتنامي والحثيث. وبعدما آثرت إسرائيل طويلاً أن تبقى خارج نسيج المنطقة، مقابل احتفاظها بالأراضي الفلسطينية، فإنها تعاني الآن أعراض الفطام الأميركي، وتتيه في خياراتها المستحيلة، بين الاندماج في الإقليم، ومطامع الأرض، وتطفيش الفلسطينيين، وبين الهواجس الاستراتيجية الحقيقة، في الردع والردع الإقليمي المضاد. 

والأنكى، تلك التبديلات البنيوية العبثية في الجيش الإسرائيلي. قانون التجنيد المقترح، والقانون الأساسي لدراسات التوراة، ليتحول الجيش، مثل الكثير من جيوش العالم الثالث، ساحة للصراع السياسي، وليهدد الاستقطاب المجتمعي صورة "الجيش الشعبي" كما يتبين من التراجع الواضح في دافع الشباب للتجنيد.

وإذ تقرع الصين باب الإقليم بقوة، تستبعد الإدارة الأميركية تغيير مستوى وجودها العسكري في المنطقة، لكنها تصبح أكثر اعتماداً وحساسية لمصالح اللاعبين "الآخرين"، وتصبح أكثر ميلاً لاستخدام الأدوات الدبلوماسية، فتعزيز الهيكل الإقليمي لشركاء الولايات المتحدة، لا يفترض بالضرورة تحالفهم مع إسرائيل ضد طهران. لا أشك هنا، بأن إسرائيل تغبط بعض دول الإقليم بسبب عناية الولايات المتحدة بالعلاقة معها ومراعاة مصالحها في كل الظروف، هذا في وقت تحرم فيه أميركا حكومة نتنياهو من غطائها الدولي في غزة والضفة.

وفيما تستمر إسرائيل في ردم جمر الأزمة مع الفلسطينيين تحت التراب، وتستمر في إيهام الجمهور الإسرائيلي بإمكان الجمود على الموجود، وفيما تتسلى بقص العشب مع إيران، وفيما تراهن على وهم العلاقات الاقتصادية في تحصين وضعها الاستراتيجي، ينكمش هامش ردعها بقوة. فهل تعيش إسرائيل أخطر لحظاتها؟
 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 10/23/2026 7:35:00 PM
قال الملك عبدالله الثاني: "سنضرب بيد من حديد من تطاول على بلدنا"، مشيراً إلى أن "من توهّم أنّ رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا".
فن ومشاهير 10/22/2026 6:49:00 PM
الليلة، تتبدّل المعادلة. لن يعود الجمهور مجرّد مستمع خلف الشاشة، ولن يبقى التصفيق صوتاً متخيّلاً في تسجيل غنائي. سيكون الحضور حقيقياً، وكذلك اللقاء.
رياضة 10/22/2026 10:37:00 AM
تفاصيل مباراة الرجاء الرياضي المغربي ضد إل كانيمي واريورز النيجيري في إياب الدور التمهيدي لكأس الكونفدرالية الأفريقية 2026 على ملعب محمد الخامس.
رياضة 10/22/2026 12:36:00 PM
يطلق الاتحاد اللبناني الرياضي للجامعات موسم بطولاته الجديد بخمس رياضات ويضيف منافسات جديدة لتعزيز الرياضة الجامعية في لبنان، ليرتفع عددها إلى 42 رياضة.