06-08-2023 | 08:41

إسرائيل... حين يكون غرور القوّة خطراً وجودياً

لم تسقط الممالك القديمة في يهودا والسامرة وفلسطين بسبب اكتساح امبراطوريات بابلية وفارسية ويونانية ورومانية فحسب، بل ساهمت الثقافة الهلنستية، الأكثر تحضرا، في نشوء أنماط ارتزاق وحياة جديدة، فاقمت صراعات النخب الحاكمة والجماعات الدينية.
إسرائيل... حين يكون غرور القوّة خطراً وجودياً
Smaller Bigger
لم تسقط الممالك القديمة في يهودا والسامرة وفلسطين بسبب اكتساح إمبراطوريات بابلية وفارسية ويونانية ورومانية فحسب، بل ساهمت الثقافة الهلنستية، الأكثر تحضراً، في نشوء أنماط ارتزاق وحياة جديدة، فاقمت صراعات النخب الحاكمة والجماعات الدينية. وإذ ينتفخ بطر القوة الإسرائيلي، ويحتدم الفصام العلماني الديني، تدور في إسرائيل الدوائر ذاتها لتضع الدولة أمام أخطر تحدياتها على الإطلاق. 

منذ نشوئها، كان ثمة فصام ملتبس حول كنه الدولة الإسرائيلية بين منظورين: منظور براغماتي ليبرالي علماني لنخب الأشكيناز الذين يرون فيها خلاصاً قومياً لليهود من الاضطهاد الديني، وتحقيقاً لتجربة بناء الدولة المنشودة في تحضرها ونموّها وديموقراطيتها الداخلية، ومنظور حاخامي لاهوتي، يستبطن صورة مختلفة للدولة والمجتمع ليجعلها مجرد جسر نحو المشروع المسياني. 

من منظور معين، يُقتل أولاد المدن الإسرائيلية في الحروب، ويصلي لهم المتعصبون الغاطسون بين دفات الكتب. يعمل الناس لبناء التجربة، ويقبض المتعصبون رواتب الدولة وهم ينخرون جوهرها العلماني الليبرالي. وحين يفاوض الأشكيناز من أجل السلام مع الفلسطينيين، يقتل المتعصبون دون وازع رئيس الوزراء إسحق رابين. وحين يتعلق الأمر بسحق الانتفاضات، يتم تمويل مجتمعات المتطرفين في الضفة الغربية وتسليحها، فهم ذريعة رائعة لمنهج "القتل بحجة الدفاع". 
 
كان يفترض بمقتل رابين أن يفضح هذا الاستبطان، لكن، رغم تميزها النقدي، تواطأت النخب "العلمانية" لدفن رابين بصمت، ولم تكلف نفسها الخوض في نقد صريح لهذا التحايث القاتل. 

بذلك تحول المجتمع لحويصلات ثقافية اجتماعية متناحرة. فطالما يزدهر الاقتصاد، وتقوى الدولة، وطالما يمكن لكل حوصلة اجتماعية أن تتعايش في ظل "التسامح المتبادل"، لا حاجة للتعمق في مقتل رابين، و"يا دار ما دخلك شر". والأهم أن لا حاجة للسلام مع الفلسطينيين. 
 
لكن بعدئذ، وإذ تزدهر التجربة ويقوى الجيش، لا ينقص النخب العلمانية إلا الفساد. وهكذا كان! وبالاستناد إلى ترفها وثروتها الطائلة، انخرطت هذه النخب، لتصبح عضواً مرموقاً في الأوليغارشية الدولية الفاسدة حيثما وجدت، سواء في الإقليم، أم في العالم، وكان على رأسها بالطبع، أوليغارشيا بوتين. ليصبح اليمين المسياني المتطرف ضرورة للأوليغارشيا الإسرائيلية، ليزودها اليمين المتطرف بالأسطورة الضرورية لستر فسادها، ولتعزز زحفها "المقدس" على الحريات العامة.

ظل هذا الفصام الجوهري قابعاً في كنه الدولة إلى أن "وقع الفأس في الرأس". لم يعد المتطرفون الدينيون يقبلون البقاء في مستوطنات الضفة، ولا عادوا يقبلون "زندقة" الطبقة المتوسطة العلمانية، واحتمالات السلام مع الفلسطينيين، لينتقلوا لاحتلال القدس ديموغرافياً، ثم لاحتلال الدولة والجيش، ثم ليقفزوا على السلطة بهدف طرد العلمانيين. الأهم في كل ذلك، هي مخططات طرد الفلسطينيين من الضفة. فمن لا يقبل من الفلسطينيين أن يكون، هو وذريته من بعده، مواطناً من الدرجة الثالثة فسيطرد من إسرائيل. هكذا تقتضي، بحسب رأيهم، هوية الدولة. بل هكذا هي السياسة المعلنة للحكومة الراهنة. بعد عقود من ترقب الانتفاضة العلمانية، ها هي تنطلق. إنها لحظة الحقيقة، إذ لا يمكن لإسرائيل أن تكون دولة ديموقراطية في الداخل اليهودي، وتكون عنصرية دينية في الوقت ذاته. 

لكن أمام مقاومة أميركا والدول الأوروبية لهذا الانعطاف الأوليغارشي، تتحدث الأوساط المتطرفة في إسرائيل عن تجاوز الارتباط التقليدي بالولايات المتحدة الذي "عفّى عليه الزمن". وإذ يفشل نتنياهو في زيارة واشنطن، وتحجم واشنطن عن إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر للحرب ضد إيران، وإذ تمضي واشنطن بالعمل الحثيث لبناء تفاهمات مبطنة ومكشوفة مع إيران وتركيا، وإذ تبحث إسرائيل عن مصادر تسليح جديدة في الصين وروسيا، يمكن القول إن العلاقة مع أميركا تتعرض لمراجعات حقيقية. 
 
تعني "العلاقة الخاصة" بالولايات المتحدة، في أبسط أشكالها، أنها ستدعم إسرائيل ضد التهديدات الوجودية. لكن، مع انقسام العالم، تتعرض علاقات إسرائيل بحلفائها لمخاطر بعد فشلها في دعم أوكرانيا، وانخراطها في العديد من العمليات والمشاريع العضوية المشتركة مع روسيا والصين. 

بل يجري الحديث في بعض الأوساط الإسرائيلية عن ضرورة إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية، كي تتخلص إسرائيل من قيود تصدير المسيرات والرادارات إلى الصين، وكي تحفز إنتاج بديل إسرائيلي لطائرة الـF35 التي يقولون إن معظمها ينتج في إسرائيل. وفي تبرير ذلك قال إنه "يجب على البلدان الصغيرة القيام بأعمال تجارية بطريقة مختلفة عن البلدان الكبيرة، ومن دون الأخذ بالاعتبار قضايا مثل "حقوق الإنسان"! 

تلتف شرنقة المتطرفين حتى الاختناق حول عنق الدولة، لكن العلمانيين يفشلون بدورهم في الربط بين الديموقراطية الداخلية بين يهود إسرائيل، وبين قضية السلام وحقوق الفلسطينيين. وهذا قصور يستبطن المزيد من الفشل والتخبط، ويضيف مزيداً من التشاؤم. 
 
ما لم تدركه هذه النخب، أن ما حققته إسرائيل كان بفضل النموذج الاقتصادي ونظام العولمة. فحتى تجربة الصين العظيمة ستدخل مرحلة الأفول إن هي تحولت إلى نظام عقائدي أوليغارشي. وما لا تدركه هذه النخب أيضاً، أن أي علاقات مع العرب ستبقى هشة وفوقية ولحظية، ولن تحميها المليارات، ما لم تستند إلى حل منصف للفلسطينيين. 

تاريخياً، الشعب اليهودي يقرأ التاريخ جيداً، لا تشتق شرعية الدول من قرارات للأمم المتحدة ولا من وعد تاريخي. وإذ تستمر إسرائيل في اعتبار نفسها خارج الإقليم، وإذ تفكك الولايات المتحدة عولمتها التي تفيأت إسرائيل بها طويلاً، يصبح احتمال أن تعتمد أميركا سياسة "اذهب أنت وربك وقاتلا" احتمالاً جدياً. وإلا فما هو مغزى الاتفاق النووي أصلاً، وما مغزى ما يحصل بعده؟  

تكمن العبرة في التقاط خطورة اللحظة. فمقتل ما تبقى من الديموقراطية يكون بمزيد من التطرف والعسكرة، ومقتل الليبرالية بالتسلط الأوليغارشي. وكما كان أمر الممالك الإسرائيلية الأولى، سيكون التحدي الأكبر أمام إسرائيل وشعبها: هل تكون ترغب إسرائيل فعلاً بأن تكون دولة طبيعية؟ 

في حينه استشرف أينشتاين وحنا أرندت، وغيرهما من كبار المثقفين اليهود، هذه المخاطر، كما يتضح في رسالة احتجاجهم على زيارة مناحيم بيغن للولايات المتحدة عام 1948 "لأن حركته استخدمت "أساليب العصابات" ودشنت عهداً من الإرهاب في المجتمع اليهودي - الفلسطيني".

لا يمكن فصل المعركة الراهنة داخل إسرائيل عن المعركة القديمة الجديدة بين المشاريع الإمبراطورية الثيوقراطية في الإقليم. فكل منها ينتظر نبوءته وكل منها يبرر استبداده وفساده بهذه النبوءة. لكن لهذه المعركة في إسرائيل مغزى وجودياً أعمق، وتحمل مخاطر أكبر بكثير. هذا ما لا تدركه الغطرسة وغرور القوة إلى الآن. 
 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 10/23/2026 7:35:00 PM
قال الملك عبدالله الثاني: "سنضرب بيد من حديد من تطاول على بلدنا"، مشيراً إلى أن "من توهّم أنّ رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا".
فن ومشاهير 10/22/2026 6:49:00 PM
الليلة، تتبدّل المعادلة. لن يعود الجمهور مجرّد مستمع خلف الشاشة، ولن يبقى التصفيق صوتاً متخيّلاً في تسجيل غنائي. سيكون الحضور حقيقياً، وكذلك اللقاء.
رياضة 10/22/2026 10:37:00 AM
تفاصيل مباراة الرجاء الرياضي المغربي ضد إل كانيمي واريورز النيجيري في إياب الدور التمهيدي لكأس الكونفدرالية الأفريقية 2026 على ملعب محمد الخامس.
رياضة 10/22/2026 12:36:00 PM
يطلق الاتحاد اللبناني الرياضي للجامعات موسم بطولاته الجديد بخمس رياضات ويضيف منافسات جديدة لتعزيز الرياضة الجامعية في لبنان، ليرتفع عددها إلى 42 رياضة.