22-05-2023 | 04:00

عيسى قاسم و"الوفاق"... مراكمةُ الفشلِ السياسي! (1)

منذ سنواتٍ مديدة، لأكثر من ربع قرن، وأنا أتابع المسيرة الدينية والسياسية لرجل الدين عيسى قاسم الذي تم اسقاط الجنسية البحرينية عنه. طوال هذه الأعوام، لا أخفي استغرابي المكانة الكبيرة التي حظي بها، والحضور الجماهيري الواسع، رغم أن محاضراته كانت عادية جداً، وشخصيته لم تكن جاذبة، وخطابه فيه من الإبهام الشيء الكثير.
عيسى قاسم و"الوفاق"... مراكمةُ الفشلِ السياسي! (1)
Smaller Bigger
منذ سنواتٍ مديدة، لأكثر من ربع قرن، وأنا أتابع المسيرة الدينية والسياسية لرجل الدين عيسى قاسم الذي تم اسقاط الجنسية البحرينية عنه.
 
طوال هذه الأعوام، لا أخفي استغرابي المكانة الكبيرة التي حظي بها، والحضور الجماهيري الواسع، رغم أن محاضراته كانت عادية جداً، وشخصيته لم تكن جاذبة، وخطابه فيه من الإبهام الشيء الكثير.
 
حتى في تلك الفترات التي كُنت فيها متأثراً بأفكار "خط الإمام"، وكنت مع مجموعة من الأصدقاء أحرص على حضور مواكب العزاء في البحرين، وتحديداً في العاصمة المنامة وقرية سنابس، إلا أنني لم أذهب للصلاة في يوم الجمعة في قرية الدراز خلف قاسم إلا مرة واحدة فقط!
 
كانت شخصية مثل الراحل الشيخ عبد الأمير الجمري أكثر جاذبية لي، رغم تعرضه لحملات تشويه واسعة، بُعيد إطلاق سراحه ولقائه الملك حمد بن عيسى آل خليفة، العام 1999، اذ هاجمته بضراوة شخصيات متشددة من الخط الثوري؛ كانت ضد المصالحة بين نظام الحكم والمعارضة في البحرين.
 
السيد عبد الله الغريفي، كان بثقافته العامة، وأخلاقياته الرفيعة، أكثر قرباً في شخصيته من الشيخ عيسى قاسم، رغم أن الأخير كلمته كانت هي العليا، وكان صاحب القول الفصل؛ وتلك كانت إحدى معضلات الغريفي، في بقائه تحت عباءة قاسم، وعدم اتخاذه خطوات شجاعة للاستقلال بوجهات نظره، التي يتباين مع قاسم في عدد منها.
 
الغريفي، وبعد الإطراء الواسع لشخصية عيسى قاسم في إحدى المحاضرات الرمضانية هذا العام، واستمراره في تكرار خطاب سياسي عتيق، لا يقرأ المتغيرات الجديدة، كل ذلك أصابَ المراهنين عليه بخيبةِ أملٍ، وربما جعل حتى بعض الأطراف في مؤسسة "الحكم" لا تأخذ مبادراته على محملِ الجدِ، كونها تفتقد للفاعلية وليست قادرة على إحداث اختراقات حقيقية يبنى عليها مستقبلاً.
 
خطأ الغريفي ذاته في علاقته بعيسى قاسم، مارسته "جمعية الوفاق الوطني الإسلامية" التي جرى حلُها، عندما جعلت قاسم بمثابة "المرجعية الروحية السياسية" التي لا تخرج عن رأيها. وعوضَ أن تكون هي صاحبة الفعل السياسي من خلال العمل البرلماني، استقال نواب "الوفاق" من البرلمان في شباط (فبراير) 2011، وهي الخطوة التي رفعت فيها عن ذاتها الحصانة الدستورية، وفقدت إحدى أهم أدوات شرعيتها السياسية!
 
منذ ذلك الحين، وبسبب الارتهان لتوصيات رجال الدين المتشددين كالشيخ عيسى قاسم، والارتهان لعواطف الشارع العام المعارض، لم تستطع "الوفاق" أن تقدم رؤية سياسية تخرجها من مرحلة الجمود، بل تراها تذهب من خطأ الى آخر.
 
هنالك بالتأكيد ظروف إقليمية وأخرى داخلية بحرينية، أثرت بشكل سلبي في الوضع العام في الخليج العربي، وأعاقت حدوث انفراجات عملية، إلا أنه طوال أكثر من عقدٍ، كانت الفرصُ للتغيير والمشاركة السياسية حاضرة، وهذه الظروف الكبرى لا تعطي العذرَ للوفاقيين لتبرير الأخطاء التي راكموها. 
 
لقد تم تشكيل "اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق" بأمر ملكي في 29 حزيران (يونيو) 2011، وأصدرت تقريرها المفصل في 23 تشرين الثاني (نوفمبر)، والذي يضم الكثير من التفاصيل، وهي خطوة كان يمكن البناء عليها، لما فيها من مستوى كبير من المصارحة والشفافية التي تقود الى المصالحة.
 
حتى بُعيد "تقرير لجنة بسيوني" جرت الدعوة إلى أكثر من حوارٍ وطني، وانتخابات برلمانية، إلا أن "الوفاق" لم تكن حينها تمارس العمل السياسي، وإنما الخطاب النضالي، والفرق شاسع بين الإثنين!
 
لقد حظيت "الوفاق" بأكثر من فرصة، وبقي التواصل بينها وبين مؤسسة الحكمِ قائماً، والتقى ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة قيادات "الوفاق" في أكثر من مناسبة، إلا أن الفعل السياسي كان غائباً، وكانت "الوفاق" يوماً بعد آخر تحبسُ نفسها في مربعاتٍ من العواطف والإيديولوجيا المميتة.
 
العملية السياسية تقوم على المشاركة بين أطراف متعددة، وعلى التواصل بين الفرقاء، واتخاذ الحوار سبيلاً أوحد لإبرام تفاهمات قابلة للتحقق، بعيداً عن مفاهيم "الحق" و"الباطل" التي هي نظريات طوباوية، لا تصنع عملية سياسية.
 
مشكلة "الوفاق" أنها مارست السياسية تحت غطاء "الفقيه" الذي هو في حالتها عيسى قاسم؛ فيما كان الأجدر بها أن تحسم خيارها، وأن تتصرف بوصفها جمعية دنيوية بعيداً عن الطابع واللباس الديني لبعض أعضائها وقادتها.
 
هذه الممارسة التي لا تخلو من تديين للسياسة، جعلتها تقع في فخ الاعتقاد بـ"الحل الشامل"، أي: اكسب كل شي أو لا شيء! ما جعلها تخسر فرصاً مهمة، لأن هذه القناعة الفكرية خلاف العمل السياسي ونقيضة له، ومن يمارس هذا التفكير ليس كائناً سياسياً!
 
كان على جمعية "الوفاق" أن تدرك أنه كما أنها هي تريد، فالنظام السياسي يريد أيضاً. وأبسطُ مثالٍ على ذلك، أنه كان مطلوباً منها إدانة العنف والإرهاب بشكل واضحٍ لا لبس فيه، وأن يكون لديها خطاب إعلامي يحترم القيادة السياسية للبلاد، ويقول صراحة لجمهوره بأن آل خليفة هم القادة السياسيون لهذه المملكة، وأن لا ولاءات عابرة للحدود تحت أي ذريعة أو هوية كانت. 

ترشيد الخطاب السياسي والإعلامي العام، وتحويله من خطاب منفلت، سلبي، قائم على الضدِ الدائم، وتحويله إلى خطاب تفاعلي إيجابي، وطني، مدني، هي مهامٌ لم تستطع "الوفاق" النهوض بها حتى الساعة!

لو أخذنا بعض النماذج العملية، هنالك حالياً مبادرات تقوم بها مؤسسات الدولة، منها: السجون المفتوحة، والعقوبات البديلة... وهي مبادرات استفاد منها عدد من السجناء، كما هنالك عائلات بحرينية كثيرة تتمنى أن ينالَ أبناؤها الموقوفون فرصة الحصول على واحدةٍ من هذه الخيارات.

هذه المبادرات الحقوقية – الإنسانية، كان الأجدر بـ"الوفاق" أن تتفاعل إيجابياً معها، وتشيد بها، عوض أن تقف متفرجة عليها، أو مشككة في جدواها.

الانتخابات النيابية والبلدية التي جرت في البحرين عام 2022، والتي كانت جمعية "الوفاق" أحد الأطراف التي شاركت في الحث على مقاطعتها، كان يفترض بها أن تقف على مسافة من المشاركين فيها، وأن لا تمارس أي خطاب ترهيبي أو تخويني لمن سيدلي بصوته أو يرشح نفسه، وهي خطوة سياسية كانت سينظر بها كرسالة إيجابية لو أنها تمت، ولكن، حتى هذا المستوى من الأداء المرنِ، لم تقم به "الوفاق" في خطوة هي من أبجديات العمل السياسي السلمي.

هنالك إذاً مشكلة حقيقية في "التواصل" والفهم والفعل السياسي لدى "الوفاق" وجمهورها، وذلك جعل رؤيتها السياسية تتسم بالماضوية وعدم الفاعلية، ودفعها لأن تفقد قدرتها على النقد الذاتي، ومراجعة الأداء السياسي طوال أكثر من عقدٍ من الزمن.
 
لقد أصبحت "الوفاق" رهينة خطاب عيسى قاسم من جهة، وسجينة شعارات جمهورها العام من جهة أخرى، بل إنها لم تستطع أن تجترح خطاباً يلبي احتياجات شريحة واسعة كانت تؤيدها، هي اليوم تعتقد أن "الوفاق" باتت جزءاً من الأزمة، لا جزءاً من الحلِ، خصوصاً بعد استغراق شريحة من قاعدتها الصلبة وعدد من رموزها الدينية والسياسية في الحملة الواسعة ضد "جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية"، وهي الحملة التي أبانت عن وجه راديكالي – تحريضي، مارس الإقصاء بطريقة صادمة للكثيرين، وهو ما ستتطرق له المقالة القادمة بالتفصيل.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل