10-04-2023 | 04:00

أذرع "مقاومة إسرائيل" خارج الاتفاق الإقليمي

لا تخش غالبية الأوساط السياسية في لبنان من تحول الجنوب اللبناني الى "حماس لاند" (نسبة الى "فتح لاند" حينما كانت حركة "فتح" الفلسطينية تستخدم منطقة الجنوب ساحة لعملياتها ضد اسرائيل). فهذه الغالبية على اقتناع عميق بأن اطلاق الصواريخ قبل أيام من بلدة القليلة قرب مخيم الرشيدية والذي عزي الى منظمات فلسطينية انما حصل في ظل موافقة "حزب الله" بالذات وحساباته رغم نفيه معرفته باطلاق الصواريخ وتوجيهه رسائل بهذا المعنى في اكثر من اتجاه وصولا الى اسرائيل بالذات.
أذرع "مقاومة إسرائيل" خارج الاتفاق الإقليمي
Smaller Bigger

لا تخشى غالبية الأوساط السياسية في لبنان من تحول الجنوب اللبناني إلى "حماس لاند" (نسبة إلى "فتح لاند" حينما كانت حركة "فتح" الفلسطينية تستخدم منطقة الجنوب ساحة لعملياتها ضد إسرائيل). فهذه الغالبية على اقتناع عميق بأن إطلاق الصواريخ قبل أيام من بلدة القليلة قرب مخيم الرشيدية، والذي عُزي إلى منظمات فلسطينية، إنما حصل في ظل موافقة "حزب الله" بالذات وحساباته، رغم نفيه معرفته بإطلاق الصواريخ وتوجيهه رسائل بهذا المعنى في أكثر من اتجاه وصولاً إلى إسرائيل بالذات.

والحزب لن يكون أبداً في وارد ترك الساحة الجنوبية مجدداً للمنظمات الفلسطينية، وهي عمقه وبيئته، ولن يسمح لها باستعادة نفوذها السابق، ولكنه لن يمانع إدارة معركة على نحو غير مباشر بأدوات أخرى لأهداف تتعلق بالنأي المباشر بالنفس عن توريط لبنان في حرب جديدة من دون التخلي عن توجيه الرسائل وإظهار قدرته على ذلك، ربطاً بموقعه وعدم تغيير استراتيجيته رغم التطورات الإقليمية الإيجابية، أي التمسك بأسباب بقاء الأذرع الإيرانية في المنطقة حاجة ماسة لأهداف تتعلق بمقاومة إسرائيل، وتحييد المس بهذه الأذرع أو الامتدادات انسجاماً مع الاتفاق السعودي الإيراني باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

فهناك اعتقاد بأن هناك انتظاراً لتظهير هذه الرسالة منذ الإعلان عن الاتفاق الإقليمي، ووفرت التطورات في المسجد الأقصى والاعتداءات الإسرائيلية على المصلين الذريعة لتظهير هذه الرسالة. فرعاية المنظمات الفلسطينية من أجل مواجهة إسرائيل ودعمها في هذه المواجهة يرسمان حدوداً مبكرة في هذا الاتفاق الذي وقع في بكين. ولا يهمل مراقبون رعاية الحزب كذلك جهود حركة "حماس" لتوظيف الفرص من أجل تدعيم نفوذها في اتجاه الضفة الغربية بعيداً من افتعال حرب من غزة تكرر حرب 2021 وتتسبب في تدميرها، وقد ترغمها على تقديم تنازلات تقوّض ما باتت تحققه من مكاسب لدى الفلسطينيين في الدرجة الأولى.

والرسائل المدروسة أسهل من لبنان في هذا السياق بغطاء من الحزب، في ظل حسابات تتصل بوجود خطوط حمر دولية تحاذر التسبب بحرب في المنطقة، راهناً على الأقل، في الوقت الذي تساهم حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة، والتي تتميز بدعمها غير المسبوق للمستوطنين، في تأزيم الوضع المتوتر أصلاً وتستفز الدول العربية وشعوبها، لا بل تحرجها كذلك. ويمكن بسهولة ملاحظة أن الضفة الغربية غدت ساحة للاشتباكات المتكررة وسقوط ضحايا فلسطينيين كل أسبوع تقريباً. وبرزت فرصة ذهبية لحركة "حماس" في أن تستغل التطرف اليميني الحكومي في إسرائيل الذي لا يساهم إلا في زيادة الراديكاليات الأخرى وتقويتها وتغذيتها من أجل إحياء نشاطاتها ربطاً بمواجهة إسرائيل والمستوطنين، وربطاً أيضاً بالاستفادة من إضعاف ممارسات إسرائيل السلطة الفلسطينية والتنسيق الأمني معها، وغياب الحوار الفلسطيني الإسرائيلي، من أجل تقوية نفوذها وتعزيزه في اتجاه الضفة الغربية أيضاً.

وتالياً، فإن توجيه بعض الصواريخ من لبنان يوفر إمكان تصعيد العنف والانخراط في حرب محتملة شاملة، وإعطاء الانطباع بأن "المقاومة" جاهزة ولا تقتصر ديناميتها على الأراضي الفلسطينية، بل تهدد بالتحول إلى حرب كبيرة في المنطقة، ما يفترض أن يستنفر الدول المؤثرة من أجل لجم التصعيد الإسرائيلي، كما حصل مع إطلاق الصواريخ من لبنان، باعتبار أن التصعيد ضد الفلسطينيين يمهد حكماً لتوسيع جبهة القتال إلى المنطقة، عملاً بوحدة الساحات التي يتحدث عنها الأمين العام لـ"حزب الله" وكذلك إيران. "فالمقاومة" ضد إسرائيل تبقيها إيران ورقة خارج إطار الاتفاقات، ويعززها التطرف الإسرائيلي الذي يسمح بتسويق هذا المنطق لدى الشعوب أكثر من الحكومات العربية.

النقطة الأخرى تتمثل في تظهير الحزب كذلك أن حساباته الإقليمية تتجاوز لبنان وتتقدم عليه وحتى على احترام سيادته، واستخدامه ساحة لغايات وأهداف مختلفة يبدو متكاملاً مع تعطيل استحقاقاته الدستورية، في الوقت الذي تغيب فيه السلطة كلياً. فلا قدرة لديها على منع دخول إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، ولو بذريعة إدراجه على لائحة الإرهاب الأميركية، إلى لبنان، ولا قدرة على المجاهرة بالعجز عن إدارة موضوع المنظمات الفلسطينية أو ضبط حركتها الإعلامية أو السياسية أو حتى العسكرية، في ظل إدراك هذه السلطة أن مفتاح هذه التنظيمات ودينامية تحريكها في مكان آخر. فالهزال الذي تعانيه السلطة يمعن الحزب في تعميقه، فيما هو شريك أساسي في الحكومة، ما يثير تساؤلات عن تظهيره مجدداً أنه صاحب الذراع الحديدية في لبنان التي لا يمكن تجاوزها، حتى في موضوع تمسكه بمرشحه لرئاسة الجمهورية.

وقد لا تمانع إسرائيل تحييد الحزب عن مسؤوليته في إطلاق الصواريخ، لاعتبارات تتصل بعدم رغبتها في توسيع نطاق الحرب أو استدراجها إليها، ولكن ذلك لم يسهل على قوى لبنانية عدة بلعه، لا لجهة تجاهل الفلسطينيين مجدداً احترام لبنان وأهله لمصالحهم، فيما لبنان كان ولا يزال إحدى الدول التي دفعت أثماناً باهظة بسبب القضية الفلسطينية، ولا لجهة استهانة الحزب بمصلحة لبنان واللبنانيين من أجل تمرير مصالحه، أو عدم ممانعته بأن يكون لبنان منصة صاروخية لتوجيه الرسائل خدمة لأهداف لا تتصل بمصلحة لبنان، بل بإبقائه ساحة استخدام لأهداف مختلفة.

ورأى كثر في تعليقات على منصات التواصل الاجتماعي، أن هناك مصالح مباشرة متبادلة استفادت منها إسرائيل من خلال رسائل توسيع ساحات القتال، إذ انتقلت الإدانات الدولية التي كانت تتراكم على الحكومة الإسرائيلية وتطرفها ضد الفلسطينيين في اتجاه إدانة إطلاق الصواريخ على أراضيها، وتأكيد حقها في الدفاع عن النفس، على غرار ما تحولت إليه جلسة مجلس الأمن التي كانت مقررة للبحث في اقتحام إسرائيل المسجد الأقصى، إلى المطالبة بوقف التصعيد. واكتملت سخرية التعليقات بأن "حزب الله" لم يكتف بتحويل لبنان غزة جديدة بعدما باتت مؤسسات الدولة تتحلل ويعيش اللبنانيون على المساعدات الخارجية فحسب، بل إنه أتى بإسماعيل هنية أيضاً ليعزز اكتمال صورة لبنان كغزة الجديدة، فيما ليس إطلاق الصواريخ من سوريا إلا خجلاً وحركة مسرحية لتأكيد "وحدة الساحات"، في الوقت الذي لم تُطلق أي صواريخ من سوريا تجاه إسرائيل رغم 11 سنة من الحرب الأهلية في سوريا والقصف الإسرائيلي المستمر ضد مواقع إيرانية ومواقع لـ"حزب الله" في الأراضي السورية.

يخشى المراقبون أن يكون شبح الحرب قائماً ولا تدحضه الرغبة المعبرة من الأفرقاء المعنيين بعدم وجود نية في الذهاب إليها فعلاً. فأحد أبرز تكتيكات الحرب الإعلان أنها قد لا تكون مطروحة على نطاق البحث جدياً، ولكن الانزلاق إليها يبقى سهلاً ومبرراً بحوادث تتراكم أو أخرى تبدو خارج نطاق الحسابات المباشرة. وبالنسبة إلى لبنان، فقد تعزز اعتقاد المراقبين أنه تم تحويله مجدداً ساحة استخدام إقليمية، لا سيما بعدما هدأت حمأة المعارك العسكرية في سوريا المجاورة.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان 4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار