بدأت الولايات المتحدة في كانون الثاني (يناير) من هذا العام، إعادة توجيه 72 مليون دولار من المساعدات إلى لبنان لدعم الجنود وعناصر الشرطة الذين بالكاد تستطيع غالبيتهم تغطية نفقاتهم بسبب الوضع الاقتصادي الكارثي في البلاد.
واستغرق الأمر واشنطن أكثر من عامين لتتخذ هذا القرار، جزئياً لأن القوانين الأميركية المتعلقة بهذا النوع من المساعدات كانت غير واضحة إلى حد ما، ولكن السبب الأهم هو أن الأصوات داخل الحكومة الأميركية وخارجها، التي كانت تضغط ضد تقديم المزيد من الدعم للجيش اللبناني، ناهيك عن المساعدة النقدية المباشرة، نجحت في تأخير العملية. وكان ذلك مثالاً آخر على أن البرنامج الأميركي للمساعدة العسكرية يبقى معرضاً لتأثير السياسات الداخلية للولايات المتحدة، رغم التزام واشنطن المستمر تجاه الجيش اللبناني في ظل الإدارات المتعاقبة.
وثمة أسباب كثيرة لتحول النقاش في واشنطن حول دعم الجيش اللبناني جدلياً، بعضها شرعي، والبعض الآخر بدرجة أقل. وأركز في هذه المقالة على الفئة الأولى من الأسباب. وأجادل بأن الذين ينتقدون بعدالة مساعدة الولايات المتحدة للجيش اللبناني قد توصلوا إلى استنتاجات خاطئة نتيجة الخلط بين السياسة الأميركية الشاملة تجاه لبنان والمساعدات العسكرية الأميركية للجيش اللبناني.
ولا شك في أن هذه المساعدات جزء كبير من السياسة الأميركية، لكنها تتطلب تقييماً خاصاً. والواقع أن السياسة الأميركية تجاه لبنان واجهت تحديات كثيرة، إلا أن الوضع يبدو مختلفاً بالنسبة إلى المساعدة للجيش على مدار السنوات الخمس عشرة الماضية، في حال تقييمها من حيث قدرتها على تعزيز تماسك الجيش وفعاليته.
وليست حقيقة أن الجيش اللبناني لم يكن قادراً على احتواء "حزب الله" أو حماية حدود وطنه أو تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة بلبنان، دليلاً إلى فشل المساعدة الأميركية للجيش، بل على عدم كفاءة النظام السياسي اللبناني بأكمله، ما عرقل السياسة الأميركية.
لا يعمل الجيش اللبناني في فراغ سياسي ولا يقرر بنفسه المعارك (العسكرية أو السياسية) التي سيخوضها والمسؤوليات التي سيضطلع بها. وليس قائد الجيش جوزف عون مشغّلاً مستقلاً أو شخصاً يدير المتواطئون معه الحكومة اللبنانية. هو يتجاوب بصرامة مع التوجيهات المدنية، وهي بالكاد موجودة، ويطلب دعم الحكومة اللبنانية، وهو غير كاف. لذلك، عندما تكون الحكومة اللبنانية منقسمة وغير كفوءة أو حتى غير موجودة (وكل ذلك حصل في السنوات الأخيرة) يواجه الجيش عقبات كبيرة جداً، وكذلك الحال بالنسبة للسياسة الأميركية.
سواء تعلق الأمر بسلاح "حزب الله" أو أمن الحدود اللبنانية أو تطبيق قرارات مجلس الأمن، فإن كلاً من هذه التحديات الإقليمية هي من مسؤولية الحكومة اللبنانية ولا أحد سواها. وعلى غرار أي جيش عادي آخر حول العالم، يتلقى الجيش اللبناني الأوامر ثم ينفذ إذا كانت لديه الموارد الضرورية. هو لا يصوغ السياسة ولا يتحرك من تلقاء نفسه.
وفي هذه البيئة الاستراتيجية الجديدة المتمثلة في تراجع الوضع العسكري الأميركي في جميع أنحاء الشرق الأوسط، والتركيز الأميركي المتجدد على الشراكات الأمنية، فإن الهدف الرئيسي لبرامج المساعدة العسكرية في المنطقة هو، أو على الأقل يجب أن يكون، المساعدة على تطوير قدرات الجيش المحلي الصديق لواشنطن. أما استخدام هذه القدرات بفعالية والاستفادة منها لتحقيق الأهداف الأمنية المشتركة، فيعتمدان دائماً أولاً وقبل كل شيء على الرغبة السياسية وقدرة السلطات اللبنانية.
بتعابير أخرى، تكمن الطريقة الفضلى للحكم على المساعدة العسكرية الأميركية للجيش اللبناني في قياس تحسن فعاليته العسكرية. ويعتبر احتواء "حزب الله" وضمان أمن كل الحدود و/ أو تطبيق القانون الدولي، أهدافاً سياسية يجب أن تحددها الحكومة اللبنانية وهي تتطلب إجماعاً سياسياً عليها. ولكن مثل هذا الإجماع كان مفقوداً بسبب الانقسام الحاد والخلل السياسي في بيروت.
لذلك، إذا كانت الفعالية العسكرية المعززة هي المقياس الأكثر دقة لنجاح المساعدة الأميركية للجيش اللبناني، فهل هناك دليل كاف إلى أنه أصبح الآن أكثر قدرة نتيجة هذه المساعدة؟
الجواب هو نعم. إن نظرة على ثلاث معارك خاضها الجيش اللبناني على مدى السنوات الـ24 الأخيرة، وهي الضنية ونهر البارد و"فجر الجرود" تدعم تلك الخلاصة. ففي الضنية ونهر البارد، قاتل الجيش اللبناني دون الاستفادة من مساعدة عسكرية أميركية كبيرة، وقد بدا ذلك في النتائج المتفاوتة. أما في "فجر الجرود"، فقد تبيّن أن أكثر من 10 سنوات من الدعم الأميركي حوّلت القوات المسلحة اللبنانية من قوة متهالكة إلى جيش محترف وكفوء، بحسب شهادة علنية من القيادة العسكرية الأميركية.
طالما استمر الشلل والفساد والاستقطاب في بيروت، سيفتقر الجيش اللبناني إلى الدعم السياسي والموارد التي يحتاج إليها كثيراً للوفاء بجميع واجباته الدفاعية الوطنية، وبالتالي سيكون لذلك آثار سلبية على الاستقرار في لبنان وعلى السياسة الأميركية. المشكلة ليست في الجيش اللبناني ولا في المساعدة الأميركية له، بل في الطبقة السياسية الإقطاعية وغير الكفوءة والفاسدة التي أحبطت الشعب اللبناني والجيش اللبناني، وقوّضت معظم محاولات القوى الخارجية الصديقة للمساعدة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة
4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
دوليات
4/26/2026 12:15:00 AM
جريمة صادمة في مكسيكو سيتي: مقتل ملكة جمال سابقة بـ12 رصاصة على يد حماتها
نبض