أمستردام… اكتشفوا سحر البيوت المائلة والقنوات الحالمة!
شدتني رائحة الزهور التي تعبق في سوق الزهور "بلومن ماركت" Bloemenmarkt إلى الدخول إلى ذلك الشارع المعروف بزهوره ونباتاته منذ عام 1862. ففي الماضي كان يبحر بائعو الزهور بقواربهم الصغيرة من المناطق القريبة للوصول إلى تلك البقعة من قناة "سنغل" لبيع باقات الزهور مباشرة من قواربهم.
إنها الرابعة فجراً، الطقس مظلم وبارد، وزخات المطر كانت تطرق نافذة سيارة الأجرة التي كنت على متنها في طريقي إلى محطة قطارات سكك الحديد "سانت بانكراس" في وسط لندن. وكم تبدو العاصمة البريطانية هادئة وصامته قبل أن يعانقها الفجر ويغلفها بالنور والدفء. فلا حركة فيها، ولا زحمة ناس. فالمدن تستريح أيضاً وتنام قبل أن يزورها يوم آخر!
في محطة "سانت بانكراس" التي وصلت إليها بعد أقل من نصف ساعة، تبدلت الصورة واختلفت: حركة، وزحمة وناس، وصف طويل يكاد لا ينتهي لمئات المسافرين المتوجهين إلى بروكسل، وباريس، وأمستردام. وذلك الصف هو المرحلة الأولى لدخول قاعة السفر التي تبدأ بتفتيش الحقائب، مروراً بالأمن العام الفرنسي، ثم البريطاني. أما أنا فكانت وجهتي العاصمة الهولندية التي أعرفها جيداً كما يعرفها أهلها لكثرة أسفاري إليها.
إلى أمستردام
فنجان من القهوة في "صالة رجال الأعمال" في محطة "سانت بانكراس"، كان كافياً ليمدني ببعض من الطاقة لبدء يوم جديد. وكم كنت بحاجة ماسة لتلك الطاقة لأنني لست من محبي النهوض الباكر من الفراش. فمن اختار الكتابة عن السفر والسياحة مهنة له، يملك رفاهية النوم في الصباح لساعات طويلة. ما إن أشارت الساعة إلى الخامسة والنصف صباحاً، حتى طُلب منا التوجه إلى قطار الـ"يورو ستار" Eurostar لأن موعد الانطلاق إلى العاصمة الهولندية بات قريباً. ترجلت وانضممت إلى قافلة المسافرين. وسرعان ما دخلت القطار واتخذت مقعدي بمحاذاة النافذة لأرصد كل ما هو جميل وممتع لرحلة ستبدأ من لندن وتنتهي في أمستردام. وبدأ المشوار، وباشر القطار رحلته بسرعة خفيفة لا تتعدى الـ100 كيلومتر في الساعة حرصاً على عدم تسبب الإزعاج أثناء مروره في عمق الأحياء السكنية. ولكن تلك السرعة تبدلت ووصلت الى 320 كيلومتراً في الساعة عندما كنا نعبر السهول المترامية على مد النظر قبل دخولنا نفق المانش المعروف باسم Channel Tunnel الذي يمتد تحت بحر المانش بطول 50 كيلومتراً ونصف الكيلومتر، لربط الأراضي البريطانية بالأراضي الفرنسية.

بين بريطانيا وفرنسا
25 دقيقة كانت كافية تحت مياه المانش لوصولنا إلى الأراضي الفرنسية، ومن هناك تابع القطار سيره نحو مدينة ليل Lile الراقدة في الشمال الفرنسي، ثم دخلنا الأراضي البلجيكية حيث رحبت بنا مدينة غانت Ghent الشهيرة بجامعتها، ثم مدينة أنتويرب Antwerp المعروفة بعاصمة الألماس في العالم. كنت أعلم عن البلد الذي وصلنا إليه من خلال الرسائل الإلكترونية التي كانت تصلني على هاتفي الجوال من شبكات الاتصالات في أوروبا. وكانت آخر تلك الرسائل عند دخولي الأراضي الهولندية، حيث انبسطت أمامي هولندا بسهولها، وبيوتها المترامية في الحقول والبراري، ومساحاتها الشاسعة لمشاتل الزهور، بينها تلك التي تحظى بتدفئة خاصة لإنتاج الزهور وبخاصة زهرة التوليب التي يرتبط اسمها بإسم البلاد. فهولندا تنتج سنوياً أكثر من 4 مليارات زهرة توليب، ويصدّر نصفها إلى الخارج. بعد 4 ساعات من السفر المتواصل، توقف القطار في محطة أمستردام الرئيسية. عندها سارعت إلى الخروج من المحطة. وكم استوقفني تعلق الهولنديين البارز بزهرة التوليب الحاضرة في متاجرهم، ومكاتبهم، وحتى في متاجر بيع الهدايا والتذكارات حيث صُنعت من الخشب، ولُونت بشتى الألوان ليحملها معهم السياح إلى ديارهم.

رفاهية مطلقة!
على طرق أمستردام المبللة بالمطر سرت ما يقارب الأربع دقائق قاصداً فندق "دابل تري باي هيلتون أمستردام سنترال ستيشين" Double Tree by Hilton Amsterdam Centraal Station. وصلته فرحبت بي وجوه مبتسمة، شابة، كل منها من بلد. أما الفتاة التي قامت بتسجيلي فأخبرتني أنها من أحد البلدان الآسيوية، وقد تبنتها عائلة هولندية منذ الصغر، وهي سعيدة اليوم في بلدها الجديد وفي عملها في هذا المكان المكتظ دائماً بالمسافرين الذين يسعدها التعامل معهم. سيحظى جميع الوافدين إلى الفندق عند التسجيل ببسكويت ساخن مع رقائق الشوكولاتة. ولكن احذروا الشوكولاتة الساخنة كي لا تسألوا عن أقرب مصبغة في الجوار!
.jpeg)
ما إن تسلمت مفاتيح غرفتي حتى توجهت إليها. إنها غرفة أنيقة في الطبقة السابعة بواجهات زجاجية تشرف على نهر "أمستل" وعلى أكثرية أحياء المدينة. قبل أن يسدل الليل وشاحه الأسود على هذه المدينة الودودة، وجدت نفسي في شارع "كالفرسترات" Kalverstraat الذي كان في القرن الرابع عشر شارعاً لتجارة الأبقار. وتحول مع مرور الزمن إلى أحد أهم الشوارع التجارية في البلاد، ولذلك تتنافس فيه كبريات المحال التجارية لماركات عالمية ومحلية. ولهذا الشارع الطويل الممتد من أمام ساحة القصر الملكي "دام سكوير" ولغاية ساحة "مانتبلين سكوير" مكانة خاصة في قلوب الهولنديين، ففي المبنى الرقم 154 ولد الرسام التجريدي الهولندي بيت موندريان عام 1872، والذي تميزت رسوماته بمساحات المربع الملونة بالألوان الأساسية: الأحمر، والأزرق، والأصفر.
.jpeg)
إن الطريقة الفنية المميزة التي كان يتبعها موندريان في لوحاته، دفعت صالات عرض مختلفة إلى عرض إحدى لوحاته بشكل مقلوب طيلة 75 عاماً. ومن عالم موندريان وقصة اللوحة المقلوبة، انتقلت إلى متحف فان غوخ Van Gogh Museum. ما إن دخلته حتى عم الصمت المكان، وساد التأمل والإعجاب بتلك اللوحات التي تضج بالألوان والحياة كلوحة "أزهار عباد الشمس"، أو لوحة "الغربان السوداء" التي اكتظ حقل القمح الذهبي بها. كنت أشعر عند تأمل أي من لوحات فان غوخ بأن الرسام كان يعاني ضطراباً في الألوان. ولهذا فإن المدرسة التعبيرية تأثرت به. المحزن في حياة هذا العبقري الهولندي الذي توفي وهو بعمر السابعة والثلاثين ربيعاً، أنه فشل في بيع أي لوحة خلال حياته عدا لوحة "كرمة العنب الأحمر"، إلا أنه تحول بعد فترة وجيزة من وفاته عام 1890 إلى أحد أبرز الرسامين العالميين.
رحلة مائية!
تركت عالم فان غوخ الذي يضج بروائعه الخالدة، وتوجهت للقيام برحلة مائية على متن مركب ذي سقف زجاجي للتعرف إلى الوجه الآخر لهذه المدينة التي ستؤثركم حتماً بكل ما فيها. انطلق المركب، وبدأ يأخذنا في أحضان الماضي، وأخذ سائق المركب يروي لنا تاريخ البيوت المتناثرة على جانبي القنوات المائية التي مررنا بها، منها أبنية سكنية فخمة بناها تجار المدينة خلال القرن السابع عشر. ومررنا خلال الرحلة تحت عدد كبير من الجسور العتيقة التي يفوق عددها الألف جسر، وتعرفنا إلى نهر "أمستل" الذي تأخذ منه المدينة اسمها، ودهشنا عندما مررنا أمام مراكب حوّلها أصحابها إلى منازل للسكن، وهي مرخصة من البلدية وتتمتع بكل وسائل الراحة والرفاهية. وما يزيد من جمالية هذه المنازل حدائقها الصغيرة المغروسة بالزهور الملونة التي تتألق حولها في إطار ساحر.
أنهيت ليلتي الأولي في أمستردام في بار ومطعم "ليمينير" LuminAir في الطبقة العلوية من الفندق. وكم هو أنيق ذلك المكان بديكوره المترف، وإطلالته الشاملة على العاصمة ومبانيها القديمة التي كانت تتلألأ بأنوارها في تلك الليلة الماطرة. هناك استقبلتني المديرة أولغا وشرحت لي أن هذا المكان يُعرف بالبار فوق أمستردام بسبب موقعه الإستراتيجي لأنه ليس في العاصمة أي مكان يضاهي إطلالته. أما أطباقه والكوكتيلات التي تحضر أمام أعينكم فهي تتنوع وفقاً لرغباتكم، ويطيب تذوقها في أجواء مغمورة بالفرح والسعادة.
مدينة المفاجآت!
ويطل يوم جديد في هذه المدينة التي رسمت معالمها الجسور، والقنوات المائية، والبيوت القديمة. وما كان عليّ سوى النزول إلى مطعم الفندق لتناول الإفطار قبل الشروع برحلة جديدة في عباب المدينة. وفي ذلك النهار أحببت اتّباع مقولة: "عندما تكون في روما، افعل ما يفعله الرومان". ولذلك استأجرت دراجة هوائية لأنضم إلى الآلاف ممن يستخدمون الدراجات الهوائية يومياً. فأمستردام تمتلك أكثر من 881 ألف دراجة هوائية. وهذا الشيء ستلمسونه لمس اليد أينما اتجهتم في العاصمة. وإذا تساءلتم عن سبب استخدام الدراجة الهوائية بكثرة، فالجواب هو التالي: أمستردام مدينة صغيرة، وقد خصصت البلدية أكثر من 400 كيلومتر من الطرق لوسيلة النقل هذه. كما هناك العديد من المحطات المخصصة لتوقيف الدراجات الهوائية. فضلاً عن ذلك، فإن تكلفة مواقف السيارات في العاصمة باهظة نسبياً، وبعض الطرق هي باتجاه واحد. بعد رحلة قصيرة، ركنت دراجتي الهوائية في إحدى المحطات ورحت أسير بين أحياء أمستردام وأتأمل مبانيها ذات الواجهات الضيقة، والتي يملك معظمها خطافاً لرفع المفروشات التي يراد إدخالها إلى المنازل عن طريق النوافذ بسبب ضيق السلالم الداخلية وصغر حجمها. أمام ذلك المنظر الغريب تعجبت وسألت نفسي: كيف يُعقل أن يعيش أحد أطول شعوب الأرض في أصغر المنازل وأضيقها على الإطلاق؟ وتابعت السير، ودُهشت فعلاً عندما شاهدت العديد من المباني منحنية قليلاً إلى الأمام، أو ملتوية إلى الجهتين اليمنى أو اليسرى. عندها تذكرت أن المدينة تقع في أرض مستنقعات تحت مستوى سطح البحر، وتقطع المدينة أكثر من مئة قناة تساعد على تصفية الأرض وتجفيفها. كما أن معظم تلك المباني مشيدة في القرن السابع عشر على دعامات خشبية تصل إلى قاع البحر حيث يتجمد الرمل ويتحجر كالصخر. وفي بعض الأحيان تنحني تلك المباني إلى الأمام بفعل تأثير المياه المتسللة إلى الطبقات الجوفية تحتها. ولكن البلدية تولي أهمية كبيرة لهذا الأمر، وتتخذ الإجراءات اللازمة عند الضرورة.

شدتني رائحة الزهور التي تعبق في سوق الزهور "بلومن ماركت" Bloemenmarkt إلى الدخول إلى ذلك الشارع المعروف بزهوره ونباتاته منذ عام 1862. ففي الماضي كان يبحر بائعو الزهور بقواربهم الصغيرة من المناطق القريبة للوصول إلى تلك البقعة من قناة "سنغل" لبيع باقات الزهور مباشرة من قواربهم. وبمرور الزمن، أصبح للكثير من القوارب أماكن ثابتة على ضفة القناة. ولذلك يحتضن سوق الزهور اليوم العديد من الأكشاك العائمة والعتيقة والتي يصل عمر بعضها إلى أكثر من 100 عام. يمكنكم في هذا المكان شراء الزهور الطازجة والمتنوعة، وبخاصة بصل زهرة التوليب. ولأن زيارتي لأمستردام كانت قبل أيام قليلة من عيد الميلاد المجيد، فإن السوق كان يمتلئ بأشجار العيد المخصصة للبيع، وبزينة الأعياد، ناهيك بالتذكارات المحلية التي تباع في الأكشاك العائمة فوق مياه قناة "سنغل" الحالمة.
ساحة الحرية!
حبال من الأنوار البيضاء كانت تنير كل شوارع أمستردام قبل موسم الأعياد. فالمدينة تعرف كيف تتزين لتبهج قلوب أهلها والزوار على حد سواء. انطقلت في اليوم الثالث قاصداً ساحة "لايدسبلاين" Leidseplein الشهيرة. فكل ما فيها يجعلها مقصداً سياحياً من الدرجة الأولى، بدءاً من مسارحها، ومطاعمها، ومقاهيها التي تتلاقي بالقرب من بعضها بعضاً، إلى العروض البهلوانية التي يقدمها من ضاقت بهم الدنيا، فاختاروا تسلية الناس في الأماكن العامة مهنة لهم. أو لربما ستسمعون في هذه الساحة نغمات موسيقية لفناني الطرق الذين تضيع معزوفاتهم الرائعة وسط زحمة الناس والسياح.

على إيقاع تلك النغمات الحالمة سرت باتجاه القصر الملكي، ووقفت مع غيري من السياح وسط ساحة "دام سكوير" Dam Square المترامية أمام القصر لالتقاط الصور التذكارية. تعد هذه الساحة شريان أمستردام الرئيسي، ونقطة وصل بين جميع شوارعها التجارية. أكثر ما أعجبني فيها هو عدم وجود سور شائك، أو حرس حول القصر الملكي. إذ بإمكانكم أن تتكئوا على جدرانه الخارجية المشيدة عام 1648، وتلتمسوا تاريخ هذا المكان الذي يحكي قصصاً لا تنتهي لمن عاشوا فيه. ولكن احذروا أن ترموا أي شيء قربه، فكاميرات المراقبة سترصد تحركاتكم، والغرامة ستكون 140 يورو. في طريقي إلى الفندق استوقفتني متاجر الأجبان المتوزعة في جميع الشوارع التجارية، فدخلت أحدها لأكتشف أن صناعة الأجبان هي فن بحد ذاته في هذه البلاد. فما من نكهة تخطر على بالكم إلا وتجدونها ممزوجة بقالب من الجبنة معروض على الرفوف الخشبية لتلك المتاجر.

اشتريت الكثير من تلك النكهات، كما اشتريت القبقاب الهولندي المصنوع من خشب الصفصاف أو الحور. وعلمت أن ذلك القبقاب كان يستخدمه منذ أكثر من 700 عام الفلاحون في هولندا. ونظراً إلى شعبيته المتزايدة وللطلب عليه من السياح، فإن البلاد تنتج سنوياً أكثر من 3 ملايين قطعة بألوان ورسومات وأحجام مختلفة.
بحقيبة مملوءة بالهدايا، والتذكارات، كنت مع غيري من المسافرين على متن القطار في طريق العودة إلى لندن. كنت سعيداً بكل ما حملته معي، وبخاصة بصل التوليب الذي سأغرسه حتماً في حديقة المنزل ليذكرني دائماً بمدينة تطيب زيارتها على الدوام.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
اقتصاد وأعمال
4/21/2026 9:13:00 AM
ارتفاع أم انخفاض؟
لبنان
4/21/2026 3:10:00 AM
التحقيق فُتح مطلع الشهر الجاري...
لبنان
4/21/2026 10:32:00 AM
طهران تتمسّك بالسيطرة على القرارات الإستراتيجية اللبنانية، بما فيها قرار الحرب والسلم من خلال "حزب الله"، وتطالب بأداء حكومي يمتثل لترك القرار العسكريّ والأمنيّ الإستراتيجيّ في لبنان لمحور "الممانعة"
نبض