كل مرة أحط الرحال في ذلك الفردوس الساحر المختبئ في ظلال الغابة السوداء في جنوب غربي ألمانيا، أعود من جديد لأعيش حالة الفرح التي لامست وجداني عندما زرتها للمرة الأولى قبل زمن بعيد.
ومنذ ذلك التاريخ تولّد عهد الوفاء لزيارتها مراراً وتكراراً. إنها بادن بادنBaden-Baden المدينة الصغيرة في ولاية "بادن فورتمبيرغ" التي فجرت الطبيعة في أرضها ينابيع للمياه المعدنية الدافئة، والتي لا تزال منذ أكثر من ألفي عام أحد عناصر الجذب السياحي إليها.
أهلاً بكم في "عاصمة المصايف الأوروبية"، أو في "أميرة الغابة السوداء" كما أحب أن أناديها. فكل الألقاب الجميلة تليق بهذه المدينة التي يسكنها العشق ويدق على أوتار القلوب سيمفونية لم تُعزف بعد. في صبيحة اليوم التالي، مررت في عمق أحياء بادن بادن. وقفت وتأملت ذلك المشهد البديع لنور الصباح الذي كان يغازل أشجارها المعمرة، فيمد بين أغصانها الوارفة وأوراقها اليانعة حبالاً من نور تلامس بساط العشب الأخضر الممتد إلى ما لا نهاية. تابعت السير قاصداً منتجع "كركلا" Caracalla Spa لخوض متعة دلال النفس والجسد في مياهه المعدنية الدافئة.
ينبسط المنتجع في وسط المدينة عند منحدر جبل أخضر. بدخوله ستشعرون أنكم على موعد لإحياء كل حواسكم إلى أقصى حدودها. وبين أعمدته الرخامية وفي مسبحه الفيروزي ستعيشون عالم الاسترخاء الحقيقي، وسترتسم علامات البهجة والسرور على وجوهكم عند رؤية ينابيعه التي يصل عددها إلى 12 ينبوعاً وهي تتفجر من باطن الأرض لتستريح في مسبحه الداخلي المحاط بالزجاج.
كل ما تحلمون به متوافر في رحاب "كركلا"، من كهف للمياه الباردة والدافئة، إلى دوامة للماء، فضلاً عن مسبحه الداخلي الذي يمتد إلى الخارج، وغرفة للسونا وفيها مكانان، الأول حار والثاني بارد. ومن المعروف أن المياه التي تصل إليه لا تتأثر بعوامل الطبيعة الخارجية وتبقى محافظة على دفئها وحرارتها التي تراوح من 50 إلى 68 درجة مئوية طوال العام. ولهذه المياه المقدرة على معالجة الروماتيزم، وتنشيط الدورة الدموية، وتشفي من العديد من الأمراض الجلدية.
مسافة قصيرة تفصل هذا المنتجع عن جاره منتجع "فريديريكزباد" Friedrichsbad المشيد عام 1877. اعتُبر في تلك الفترة أكثر الحمامات تطوراً في أوروبا ومن أجملها على الإطلاق. يحافظ "فريديريكزباد" على طريقة الاستحمام بالطريقة الإيرلندية - الرومانية التقليدية، والتي تشمل المرور في 17 مرحلة خلال الاستحمام، تبدأ بالاستحمام في المياه المنعشة، ثم تنظيف الجسم بالفرشاة والصابون على يد أحد العاملين في المنتجع للمباشرة في اختبار المراحل المقبلة التي تقضي بالتنقل بين صالات "فريديريكزباد" التي تشمل كل منها حوضاً للسباحة ترتفع درجة حرارته أثناء التنقل من صالة إلى أخرى.
كل صالات هذا المكان التاريخي مميزة وتحمل سمات الماضي الجميل، ولكن تبقى أجملها الصالة التي تتوسطه والتي تتزين بقبة ضخمة تهب نورها إلى التماثيل المتوزعة في أرجاء الصالة، وإلى المسبح الذي تطيب فيه تمضية متسع من الوقت لاكتساب الصفاء الذهني والتوازن الجسدي والعقلي.
إلى القمّة!
على الرغم من صغر مساحة بادن بادن، فإن الأنشطة السياحية التي تتوزع في أرجائها متنوعة ويطيب استكشاف معظمها. إلى قمة جبل "مركير" Merkur كانت بداية مشواري في اليوم الثالث. وللوصول إليها وَجب استخدام قطار السكك الحديدية المعلقة الذي يتحرك أوتوماتيكياً من دون الحاجة إلى سائق. وشق القطار طريقاً شديدة الانحدار في عمق الجبل ليوصلني مع بقية السياح في غضون خمس دقائق إلى القمة التي تقف شامخة في سماء المدينة بعلو 668 متراً. فور ترجلي من القطار انبسطت أمامي ممرات فسيحة غُرست على جوانبها الزهور والأشجار. أما المفاجأة الكبرى فكانت تلك المناظر الطبيعية الخلابة لبادن بادن وما يحيط بها من مدن وقرى ألمانية، فضلاً عن البلدات المتوزعة في الحدود الفرنسية.
من أعالي الجبل عدت أدارجي لأتوجه بعدها إلى متحف "فابيرجيه" Museum Fabergé الذي يجمع تحت سقف واحد أروع القطع الذهبية والماسية والحجارة الكريمة التي كان يملكها ملوك وأمراء أوروبيون. في المتحف يتوه الزائر بين المعروضات الثمينة والتي تحمل جميعها توقيع "بيتر كارل فابيرجيه" الذي كان مصمم المجوهرات المفضل لدى الأباطرة الروس. فمع بريق تلك التحف الجميلة المسجونة داخل الواجهات الزجاجية، تعرفت إلى تاريخ كل قطعة، ومصدرها، ومن كان يملكها. معروضات باهظة الثمن تتلاقى مع بعضها بعضاً، أكثرها شهرة البيضة التي أعطت "فابيرجيه" شهرته الواسعة، فهو كان يصممها للأباطرة الروس ليقدموها لزوجاتهم هدية بمناسبة عيد الفصح.
وأنتقل من عالم التحف الثمينة والمجوهرات إلى عالم الزهور والورود. فعلى إحدى الروابي الراقدة في أعالي المدينة وصلت إلى حديقة الورود "روزنغارتن" Rosengarten التي يفوح منها أريج الورود المنعشة فأحسست وكأنني أتنشق قارورة عطر فاخر. المشوار إلى هذه البقعة سيشعركم أن الربيع لا يفك حصاره عن هذه الحديقة التي هي مسرح مفتوح لورود متعددة الأشكال والألوان، ترسم في مكان ما أقواس نصر، وفي مكان آخر ستجدونها تقف وحيدة أو في حالة عشق وهيام مع الأشجار التي تسللت إلى أغصانها لتحفر في الذاكرة منظراً يصعب نسيانه.
أرض الشّمس!
يردد أهل "ريبلاند" Rebland مقولتهم المعروفة: "الشمس تعشق ريبلاند" على منطقتهم الواقعة في جنوب غربي بادن بادن. وفي الواقع فهذه المنطقة الخضراء تتمتع بنور الشمس لفترات أطول من المناطق المحيطة بها، ولذلك فتربتها غنية ومعطاء ولها الفضل في إنتاج مواسم زراعية خيرة. إن أكثر ما لفت انتباهي هناك كانت كروم العنب التي تصطف بانتظام شديد لتدخل البهجة في القلوب والمتعة للنظر. وتختصر "ريبلاند" جمال الريف الألماني بحقوله، وتلاله، ومنازله المتواضعة المغمورة بالهدوء والسكينة.
على تلة خضراء وفي مطعم مزخرف بالديكور التقليدي تناولت طبق الهليون الأبيض مع الكريما والبطاطا، لأنهي بذلك رحلتي إلى "أرض الشمس". وتسلك السيارة الطرق المحفورة وسط طبيعة غناء متجهة من جديد إلى وسط المدينة. عند كل منعطف طريق كانت تبرز إبداعات الخالق على كل ما يصافح نظري من لوحات بانورامية لطبيعة عذراء كانت تتوهج في ذلك اليوم المشمس. وبالوصول إلى عمق المدينة كان لي زيارة لصالة "فيشتبيل هاوس" Festpielhaus التي تعد أكبر صالة لحفلات الأوبرا والمهرجانات الموسيقية في ألمانيا، إذ بإمكانها أن تستوعب أكثر من ألفي شخص. وتستقطب الصالة أهم الأسماء البارزة في عالم الغناء. فأي عرض فني على خشبة مسرحها هو بمثابة تكريم وتقدير للمواهب الفنية.

لم أمر مرور الكرام أمام مبنى "ترينك هول" Trinkhall الذي كان في السابق مركزاً لضخ المياه إلى المدينة. فصعدت أدراجه، وهمت في روعة هندسته التي تزينها أعمدة كورنثية الطراز، وجداريات ملونة برسومات من أيام الرومان القدامى. ويقال إن مياه الشرب التي تتفجر من ينبوع يصب داخل المبنى لها منافع صحية عديدة. عقارب الساعة كانت تشير إلى الثامنة مساءً، وكانت الشمس تلملم طرحتها الذهبية لتشرق في مكان آخر. وعندما مكّن الليل سيطرته على المدينة ولفها بوشاحه الأسود، أضيئت الشوارع والطرق والممرات بالمصابيح الكهربائية، وهب من جديد النسيم العليل المحمل بعبير الزهور الفواحة، كنت عند ذلك أمر وسط شارع "لشتنتالير أليه" متوجهاً إلى فندقي لأجمع أغراضي وأترك مدينة أحن للعودة إليها على الدوام.