السفر أسلوب حياة... لماذا يعدّ رمزاً للمكانة الاجتماعية؟
لماذا يشعر البعض بأهميته من خلال السفر، ويحرص على إطلاع الآخرين على رحلته منذ لحظة وصوله إلى المطار؟ ولماذا ينتقل هذا الشعور إلى متابعيه على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يتعاملون مع السفر بوصفه دليلاً ضمنياً على النجاح والتميّز؟
لم يعد السفر مجرد انتقال جغرافي، بل تحوّل إلى رمز للمكانة الاجتماعية (Status Symbol)، يعكس الثروة أو النفوذ أو أسلوب الحياة، ويحمل رسائل عن شخصية صاحبه وثقافته وقدرته على خوض تجارب لا تتاح للجميع.

السفر... علامة مكانة
وتشير دراسات في علم النفس الاجتماعي إلى أن السفر لا يُستهلك كتجربة شخصية فحسب، بل يُستخدم أيضاً كإشارة إلى المكانة الاجتماعية. فقد بيّنت إحدى الدراسات أن ما يُعرف بـ"هيبة السفر" يقوم على ثلاثة عناصر رئيسية تؤثر في العائد الاجتماعي المتوقع، أي مقدار الإعجاب أو الاهتمام الذي يتوقع الشخص الحصول عليه عند مشاركة تجربته. وتشمل هذه العناصر: التميّز عبر زيارة أماكن غير مألوفة، والمتعة والرفاهية التي يرمز إليها السفر، إضافة إلى الازدهار المادي الذي يوحي بامتلاك الإمكانات اللازمة لخوض هذه التجارب.
وخلصت الدراسة إلى أن رغبة الشخص في السفر تزداد كلما شعر بأن رحلته ستمنحه تقديراً اجتماعياً أكبر، بحيث لا يكون الدافع دائماً اكتشاف العالم، بل أيضاً الظهور بمظهر من يعيش حياة مميزة.
كما أظهر استطلاع أجرته مجلة "فوربس" العام الماضي وشمل أكثر من ألف شخص يمتلكون أصولاً قابلة للاستثمار تتراوح بين 200 ألف دولار ومليوني دولار، أن 59 في المئة من المشاركين اعتبروا السفر أبرز مؤشر على النجاح، متقدماً على السيارات الفاخرة والمجوهرات والساعات. وارتفعت هذه النسبة إلى 75 في المئة بين من تتجاوز ثرواتهم مليون دولار.

لماذا يمنح السفر شعوراً بالتميّز؟
ويشرح المعالج النفسي والمستشار لدى منظمة "أطباء بلا حدود"، الدكتور ماريو عبود، لـ"النهار"، أن شعور المكانة الاجتماعية المرتبط بالسفر يعود إلى معناه النفسي والاجتماعي. فالسفر كان تاريخياً نوعاً من الرفاهية لا يستطيع الجميع الوصول إليه، ورغم أن خياراته أصبحت اليوم أكثر تنوعاً وأقل كلفة، لا يزال الشخص القادر على السفر يُنظر إليه على أنه حقق إنجازاً أو يمتلك فائضاً من الإمكانات.
ويضيف عبود أن السفر قد يعكس أيضاً مرونة في الوقت، واكتشاف أماكن لا يزورها كثيرون، وحياة غنية بالتجارب، وشعوراً بالإنجاز والتميّز. وحتى إن كانت الرحلة قصيرة أو مخصصة للعمل، فإنها تظل تمنح صاحبها إحساساً بأنه قام بشيء غير متاح للجميع، وهو ما ينعكس على نظرة الآخرين إليه.

ويزداد هذا الشعور خلال الأزمات أو بعدها، إذ يصبح السفر دليلاً على القدرة على تجاوز الظروف الصعبة أو عدم التأثر بها، ما يعزز الإحساس بالحصرية والنجاح.
ويرى عبود أن الناس يميلون بطبيعتهم إلى مشاركة إنجازاتهم وتجاربهم الجديدة، لذلك ينشرون صور السفر على وسائل التواصل الاجتماعي، غالباً من دون وعي كامل بالدلالات الاجتماعية التي تحملها هذه المنشورات.

من الرفاهية إلى الحرية
ويؤكد في المقابل أن السفر لا يعبّر دائماً عن السلطة أو المكانة، بل قد يكون انعكاساً للنجاح، أو لمرونة في أسلوب الحياة، أو لحرية التنقل، أو حتى لامتلاك جواز سفر يسهّل السفر. ويبرز ذلك بوضوح لدى الرحّالة الرقميين (Digital Nomads)، الذين يتيح لهم عملهم التنقل والعمل من أماكن مختلفة، فيصبح السفر رمزاً للاستقلالية والحرية والقدرة على التحكم بالوقت، وهي قيم بات كثيرون يطمحون إليها.
ويختم عبود بالإشارة إلى أن الأفلام والإعلانات أسهمت على مدى سنوات في ترسيخ صورة السفر باعتباره مرادفاً للحرية والرفاهية والنجاح، حتى باتت هذه المفاهيم ترتبط به تلقائياً في أذهان كثيرين.
نبض