غويتشو... حين حملتني حافلة بلا سائق في رحلة بين الماضي والمستقبل (فيديو)
كانت تبدو حافلة عادية، لكن ما إن اقتربت منها حتى أدركت أن شيئاً غير مألوف ينتظرني. جلست على المقعد الأمامي، وانطلقت المركبة بهدوء، تتوقف عند الإشارات وتنعطف بدقة، فيما بقي مقعد السائق خالياً تماماً. للحظات، شعرت بأنني داخل مشهد من فيلم خيال علمي، قبل أن أستوعب أنني في مقاطعة غويتشو، جنوب غربي الصين، حيث أصبحت الحافلات ذاتية القيادة جزءاً من الحياة اليومية، في مشهد يختصر التحوّل الذي تعيشه هذه المقاطعة.
كان ذلك أول انطباع تركته غويتشو في ذهني. فهذه المنطقة، التي عُرفت لعقود بطبيعتها الجبلية وتضاريسها الوعرة، باتت اليوم واحدة من أكثر المقاطعات الصينية استثماراً في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، من دون أن تتخلى عن هويتها التاريخية والثقافية.
لكن الرحلة لم تكن عن المستقبل وحده.

حين يروي التاريخ نفسه
في مدينة تسني، وجدت نفسي أمام واحدةٍ من أكثر الصفحات تأثيراً في التاريخ الصيني الحديث. داخل متحف المسيرة الطويلة، تتراص الوثائق والصور والمقتنيات التي تستعيد إحدى أهم المحطات في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني. لم تكن الجولة مجرد تنقّل بين قاعات العرض، بل نافذة لفهم المكانة التي لا تزال تحتلها هذه المرحلة في الوعي الجمعي الصيني، وكيف أصبحت غويتشو شاهداً على لحظة غيّرت مسار التاريخ.
بعد ذلك، توجهنا إلى ممر لوشان، أحد أبرز المواقع المرتبطة بالمسيرة الطويلة. ففي هذا الممر الجبلي دارت عام 1935 واحدة من أهم معارك الجيش الأحمر، والتي ينظر إليها الصينيون بوصفها أول انتصار كبير خلال تلك الرحلة الشاقة. واليوم، يجمع الموقع بين قيمته التاريخية وجماله الطبيعي، ليغدو وجهةً تستقطب الزوار الراغبين في تعرّف هذه الحقبة واستكشاف طبيعة غويتشو في آنٍ معاً.

ومن أكثر المحطات التي تركت أثراً في نفسي كانت زيارة "الريبونة الحمراء"، وهو مجمع ثقافي ضخم يحتضن مسرحاً تفاعلياً يعيد إحياء محطات من المسيرة الطويلة باستخدام أحدث تقنيات العرض والمؤثرات البصرية والصوتية. وما شاهدناه لم يكن عرضاً مسرحياً تقليدياً، بل تجربة غامرة ينتقل خلالها الجمهور بين المشاهد ويصبح جزءاً من الأحداث، في مزيج يجمع بين الفن والتكنولوجيا والسرد التاريخي. بالنسبة إليّ، كانت هذه من أجمل التجارب التي عشتها في الصين، لأنها قدمت نموذجاً مبتكراً لكيفية تحويل التاريخ إلى تجربة حيّة تتفاعل معها الحواس قبل الذاكرة.

ولأن أيّ رحلة لا تكتمل من دون الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية، قررت خوض تجربة مختلفة تماماً، وهي تذوّق الحشرات التي تباع في الأسواق الشعبية. قد تبدو الفكرة صادمة بالنسبة إلى كثيرين، لكنها بالنسبة إلى بعض الصينيين جزء من المطبخ المحلي في عدد من المناطق. وبين الفضول والتردد، انتهى بي الأمر إلى تذوّقها، في تجربة ربما لن أكررها، لكنها ستبقى بلا شك من أكثر لحظات الرحلة غرابةً وإثارة.
إعلام المستقبل... والإنسان في قلب المعادلة
في محطتنا الأخيرة، زرنا Guizhou Radio and Television Station، المؤسسة الإعلامية التي تضم قناة Guizhou Satellite TV، إحدى أبرز المنصات التلفزيونية في المقاطعة. وهناك اطلعنا على غرف الأخبار والاستوديوهات وآليات العمل الإعلامي في عصر التحول الرقمي. وخلال لقائنا مع إدارة المؤسسة، دار نقاش معمّق حول توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة الإعلام، بدءاً من إنتاج المحتوى وتحليل البيانات، وصولاً إلى دعم غرف الأخبار. لكن اللافت أن المسؤولين شدّدوا في الوقت نفسه على التحدّيات التي يفرضها هذا التحول، وفي مقدّمها الحفاظ على المصداقية، والتحقق من المعلومات، وضمان أن يبقى القرار التحريري النهائي بيد الإنسان.

غادرت غويتشو بانطباع مختلف تماماً عمّا توقعته قبل وصولي. فهي ليست مجرد مقاطعة تشتهر بطبيعتها الجبلية، بل نموذج يجمع بين التاريخ والثقافة والابتكار في آن واحد. فمن الحافلات ذاتية القيادة إلى مواقع المسيرة الطويلة؛ ومن التجارب الثقافية التفاعلية إلى استثمارات الذكاء الاصطناعي؛ تقدم غويتشو صورة عن الصين التي تنجح في صون إرثها التاريخي، فيما تمضي بثقة نحو المستقبل.
نبض