هل تعود المصايف السورية إلى أيّامها الذهبية؟
بعد سنوات من التراجع الذي فرضته الحرب والظروف الاقتصادية، بدأت السياحة في سوريا تسجّل مؤشرات على استعادة جزء من نشاطها، مع ارتفاع أعداد الزوّار العرب والأجانب وعودة الحركة إلى عدد من المقاصد السياحية خلال عامي 2025 و2026.
وتكشف البيانات الأخيرة عن نموّ لافت في أعداد السياح، بالتزامن مع تحسّن تدريجي في أداء المنشآت السياحية وعودة بعض الوجهات إلى استقبال الزوار، من مصايف ريف دمشق إلى شواطئ الساحل السوري. إلا أن هذا التعافي يضع القطاع أمام تحديات أساسية، أبرزها تطوير البنية التحتية، ورفع جاهزية الخدمات، وتعزيز الاستثمارات القادرة على مواكبة الطلب المتزايد.
وبين أرقام تعكس عودة الاهتمام بالمقصد السوري، ومشاهد لزوّار يعيدون اكتشاف مدنه وطبيعته، تبدو السياحة أمام مرحلة جديدة تتطلب تحويل هذا الزخم إلى نمو مستدام يعيد للقطاع دوره الاقتصادي.

السياحة السورية تستعيد عافيتها بالأرقام
وتُظهر البيانات أن أعداد السياح العرب ارتفعت بنسبة 99% مقارنة بالعام السابق، فيما سجّلت أعداد السياح الأجانب نمواً بلغ 126%، وهو ما يعكس تنامي الثقة بالمقصد السياحي السوري، وعودة الاهتمام بالوجهات السياحية المحلية، إلى جانب ارتفاع الطلب على خدمات الضيافة والإقامة والمنشآت الفندقية.
ولم يتوقّف هذا الزخم عند عام 2025، إذ تشير المؤشرات الأولية للنصف الأول من عام 2026 إلى استمرار المنحى التصاعدي للحركة السياحية، مع تسجيل ارتفاع تجاوز 100% في إجمالي أعداد الزوار من السوريين والعرب والأجانب، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وتعكس هذه الأرقام تسارع وتيرة الطلب على المقصد السياحي السوري، في ظل اتساع النشاط السياحي وتزايد الإقبال على مختلف الوجهات، الأمر الذي يفرض في المقابل متطلبات جديدة على القطاع، وفي مقدمتها توسيع الطاقة الاستيعابية للمنشآت السياحية والفندقية، ورفع جاهزية خدمات الضيافة، إلى جانب تطوير سلاسل الإمداد والخدمات المساندة، بما يواكب مرحلة النموّ الحالية ويعزز قدرة القطاع على استيعاب الزيادة المتوقعة في أعداد الزوار خلال المرحلة المقبلة.

من ريف دمشق إلى المصايف... وجهات تعود إلى خريطة السياحة
وفي ريف دمشق، يؤكد مدير سياحة ريف دمشق محمد القاسم أن القطاع السياحي بدأ يستعيد نشاطه تدريجاً بعد سنوات طويلة تأثر خلالها بشكل مباشر، إذ شهدت الحركة السياحية في المحافظة توقفاً شبه كامل، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمنشآت السياحية والبنى التحتية، وخروج عدد كبير من المنشآت عن الخدمة نتيجة الظروف الأمنية والاقتصادية.
ويشير القاسم إلى أن مؤشّرات التعافي بدأت تظهر مع تحسن الأوضاع الأمنية، وعودة عدد من المنشآت السياحية إلى العمل واستقبال الزوار، سواء ضمن حركة السياحة الداخلية أو مع العودة التدريجية للزوار العرب والمغتربين السوريين، لافتاً إلى ارتفاع الإقبال على المقاصد السياحية، ولا سيما خلال العطل الرسمية ونهايات الأسبوع.

ويؤكد أن ريف دمشق يمتلك مقوّمات سياحية متنوّعة، تمتد من المناطق الطبيعية في بيت جن وبيت تيما إلى مصايف بلودان والزبداني، التي تتميز بطبيعتها الخلابة ومناخها المعتدل وقربها من العاصمة دمشق، إلى جانب المقاصد الدينية والثقافية، وفي مقدمتها صيدنايا ومعلولا، التي تشهد بدورها تزايداً في أعداد الزوار.
ويضيف أن المديرية تعمل حالياً على إعادة تأهيل البنى التحتية، وتشجيع الاستثمارات السياحية، وتحسين مستوى الخدمات في المنشآت السياحية، إلى جانب دعم المنشآت المتضررة والمتوقفة عن العمل، بما يسهم في إعادتها إلى الخدمة وتعزيز تعافي القطاع.
ويؤكد استمرار هذا النموّ أن القطاع السياحي يشهد مرحلة تعافٍ متسارعة، مدفوعة بارتفاع الطلب وتحسن مؤشرات الأداء، الأمر الذي يفتح المجال أمام المزيد من الاستثمارات في البنية السياحية، ويسهم في تعزيز دور السياحة كأحد القطاعات الاقتصادية القادرة على دعم النمو، وخلق فرص العمل، وتنشيط الحركة الاقتصادية في مختلف المناطق.

الساحل السوري يستعيد نبضه مع عودة الزوّار
أما على الساحل السوري، فيؤكد مدير منتجع الشاطئ الأزرق، إياد جديد، أن تعافي السياحة الساحلية يتطلب تكامل أدوار مختلف الجهات المعنية، مشيداً بالدور الذي تؤدّيه الشرطة السياحية في تنظيم الشواطئ والتعامل مع الزوار بأسلوب حضاري يعكس جودة الخدمات السياحية.
ويرى جديد أن إعادة إحياء الشواطئ السورية تتطلب تكاتف البلديات والإدارة المحلية وسائر الجهات المعنية، من خلال إعادة هيكلة وتنظيم الشواطئ الشعبية، والحفاظ على نظافتها والارتقاء بمظهرها الحضاري، بما يعكس الصورة الحقيقية لسوريا ويعزز مكانتها كوجهة سياحية راقية.
ويضيف أن إدارة المنتجع أعادت دراسة رسوم الدخول إلى مرافق السباحة، بما يتناسب مع مختلف الشرائح الاجتماعية، ويراعي الظروف المعيشية والأوضاع الاقتصادية للمواطنين، بالتوازي مع مواصلة تطوير مرافق المنتجع والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة، بما يعزز مكانته كوجهة تستقطب السياحة الداخلية، إلى جانب الزوار العرب والأجانب.
من جهته، يؤكد المدير العام لفندق ومنتجع غولدن بيتش اللاذقية، جهاد الشايب، أن القطاع السياحي في اللاذقية يشهد انتعاشاً ملحوظاً، مدفوعاً بعودة ثقة الزوار العرب والسوريين، وتحسّن مستوى الخدمات، إلى جانب الانفتاح السياحي الذي أسهم في استقطاب زوار من الأردن ولبنان ودول الخليج، فضلاً عن الإقبال الكبير من السياحة الداخلية.
ويشير الشايب إلى أن المؤشرات تعكس هذا التعافي، مع توقعات بوصول نسبة الإشغال خلال الربع الثالث من العام إلى نحو 90%، مقارنة بـ50% خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في الإقبال على المرافق والخدمات السياحية.
ويلفت إلى أن هذا النمو يفرض تحديات جديدة، أبرزها محدودية الطاقة الاستيعابية للمنشآت الفندقية ونقص الكوادر المؤهلة، معتبراً أن هذه التحديات تمثل في الوقت نفسه فرصة لتعزيز الاستثمارات السياحية، وتوسيع المنشآت الفندقية، وتطوير برامج التدريب والتأهيل.
ويؤكد أن عودة الحركة إلى شواطئ اللاذقية وامتلاء المصايف بالعائلات والزوار تمثل المؤشر الأبرز على تعافي القطاع، معرباً عن تفاؤله بمستقبل السياحة في المحافظة، وداعياً الزوار إلى اكتشاف المقصد السياحي السوري، والمستثمرين إلى الاستفادة من الفرص الواعدة التي يوفرها القطاع.

عودة السياح... الصورة التي تؤكدها الأرقام
وفي شهادة تعكس صورة هذا التعافي على أرض الواقع، يؤكد السائح الإسباني رافاييل أنطونيو أنه اختار قضاء إجازته السنوية مع عائلته في سوريا، ولا سيما على الساحل السوري، مشيراً إلى أن الوجهات السياحية باتت توفر أنشطة ترفيهية متنوّعة، مثل رياضة "الزيبلاين" وتجارب المغامرة والإقامة في الأكواخ الخشبية وسط طبيعة تجمع بين الجبل والبحر والشلالات، إلى جانب الأجواء الحيوية والعائلية التي تعكس عودة الحركة إلى المصايف. ويرى أن هذه المشاهد تعكس عودة الحياة إلى سوريا، وتشجع السياح والمغتربين على اختيارها وجهة لقضاء العطلات.
ومع استمرار ارتفاع أعداد الزوار، وتنامي ثقة السياح، وتوسع الاستثمارات، تبدو السياحة السورية أمام فرصة حقيقية لاستعادة مكانتها تدريجاً على خريطة السياحة الإقليمية. وبين الطبيعة، والمواقع الدينية والثقافية، والشواطئ التي استعادت حيويتها، لا تروي الأرقام وحدها قصة التعافي، بل تؤكدها أيضاً مشاهد الزوار العائدين، وضجيج المصايف، وحركة المنشآت التي فتحت أبوابها من جديد، في صورة تعكس عودة الحياة إلى واحد من أهم القطاعات الاقتصادية في سوريا.
نبض