الرحلة الأولى بدأت في بيتنا...
ليس الصيف مجرد فصل من فصول السنة، ولا هو محطة عابرة بين ربيع يودّع وشتاء ينتظر. الصيف هو الفصل الذي تتصالح فيه الأرواح مع الوقت، وتلتقي القلوب بعد غياب طويل، ويلتقي الحنين بالحنين؛ حنين الإنسان إلى أهله، وحنين الأمكنة إلى زائريها، وحنين المسافر إلى الطريق الذي لا ينتهي.
ربما لهذا السبب، لم يكن السفر بالنسبة إليّ قراراً اتخذته في مرحلة من العمر، بل قدراً وُلد معي.

ولدت في منزل كانت جدرانه أشبه بخريطة للعالم. صور الأهل والأقارب تزين كل زاوية، موزعين بين الأميركتين الشمالية والجنوبية. كان أهل جدي وجدتي لوالدي قد حملتهم الحياة إلى مدن بعيدة؛ بعضهم استقر في مدينة ساو باولو البرازيلية، وآخرون في ولاية تكساس الأميركية. وبين تلك الصور كانت تتنقل الحكايات كما تتنقل الطيور بين الفصول؛ حكايات سفر، ورسائل انتظار، ولهفة لقاء، وأخبار تعبر البحار قبل أن تعبر العتبات.
كانت الرسائل تصل محمّلة برائحة الغربة، وكانت الأسماء البعيدة تبدو لي أقرب من المدن التي لم أغادرها بعد. كنت أستمع إلى أحاديث الكبار عن السفن والطائرات والموانئ، فأشعر أن العالم يبدأ من باب بيتنا، وأن المسافات ليست سوى خيوط تصل بين القلوب.

ثم كان الصيف!...
ذلك الفصل الذي كنت أنتظره كما ينتظر الأطفال صباح العيد. كانت أبواب المنزل تُفتح على اتساعها، ويمتلئ البيت بالأقارب العائدين من وراء البحار، يحملون في حقائبهم هدايا صغيرة، وفي عيونهم عوالم كاملة. كانوا يأتون بلهجات امتزجت فيها العربية بلغات الأرض، وبحكايات عن مدن لم أكن أعرفها إلا من أسمائها، حتى أصبحت تلك المدن جزءاً من خيالي قبل أن تصبح جزءاً من رحلاتي.
هناك، في ذلك البيت، ولد طفل اسمه السفر!

ولم يغادرني ذلك الطفل يوماً. كان يكبر كلما كبرت، ويهمس لي كلما رأى خريطة أو سمع باسم مدينة جديدة. كان يقول لي دائماً إن العالم أوسع من أن يُقرأ في كتاب، وإن أجمل الحكايات هي تلك التي نعيشها بأقدامنا.
وحين كبرت، أخذني ذلك الطفل من يدي إلى مدينة الضباب، لندن. هناك درست، وعشت، وتعلّمت أن المدن ليست أبنية وشوارع، بل كائنات حية لها ذاكرة وروح ونبض. ومن لندن بدأت رحلتي الحقيقية، لا بوصفها مدينة أقمت فيها، بل بوصفها بوابة عبرت منها إلى العالم، لأصبح واحداً من أصغر المحررين العرب الذين كرّسوا أقلامهم للكتابة عن السفر والرحلات، وللبحث عن الحكايات المختبئة خلف الخرائط.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد السفر هواية، ولا مهنة، بل أسلوب حياة. صار جزءاً من إيقاع أيامي، ومن الطريقة التي أنظر بها إلى العالم وإلى الناس.
كم من مدينة سكنت قلبي... وكم أتمنى أن أكون قد سكنت قلبها أيضاً!
وفي كل مدينة زرتها، كنت أظن أنني أغادرها، قبل أن أكتشف أنها هي التي تغادر معي. كنت أترك فيها شيئاً مني؛ ابتسامة على مقهى، أو حديثاً عابراً مع غريب، أو لحظة صمت أمام بحر أو جبل أو شارع قديم. وفي المقابل، كانت كل مدينة تودع في قلبي جزءاً منها، حتى امتلأت روحي بمدن كثيرة، لكل منها نبضها، ورائحتها، وذاكرتها.

واليوم، كلما أقبل الصيف، يعود ذلك الطفل ليطرق باب ذاكرتي، ويهمس في أذني بأن السفر لم يكن يوماً هروباً من الحياة، بل كان دائماً عودة إليها. وأن أجمل الرحلات ليست تلك التي تُقاس بعدد الأميال، بل بعمق الأثر الذي تتركه في القلب، وبالذكريات التي ترافقنا زمناً أطول من الرحلة نفسها.

ومع هذا الملف الذي أعدّه بمحبة زملائي في جريدة "النهار"، أدعوكم إلى أن تجعلوا من كل صفحة محطة، ومن كل صورة نافذة، ومن كل حكاية بداية رحلة جديدة. ستعبرون بين دفتيه، المعطّرتين بعبق الشرق، إلى باقة من بلداننا العربية الحبيبة، حيث تمتزج حضارة المكان بكرم الإنسان، وحيث لكل مدينة نبضها، ولكل بحر أغنيته، ولكل زقاق حكاية تنتظر من يصغي إليها.
وكل صيف ولبنان وبلداننا العربية بخير... وكل صيف والعالم أكثر سلاماً، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على أن يجمع القلوب، كما يفعل السفر دائماً.
نبض