عالم "فوغ" في ميلانو: موضة تروي قصة الإبرة البشرية في عصر الآلة
في قلب عاصمة الأناقة، حيث يتنفس الحجر تاريخاً، اختارت عرابة الموضة العالمية آنا وينتور ومؤسسة "كوندي ناست" أن يتجاوز افتتاح أسبوع الموضة في ميلانو حدود المألوف. لم تكن النسخة الخامسة من عرض "فوغ وورلد" ميلانو 2026، التي أقيمت مساء الثلاثاء 22 سبتمبر/أيلول، مجرد استعراض عابر للأقمشة الفاخرة، بل كانت أقرب إلى "مانيفيستو" ثقافي أُعلن من داخل "غاليريا فيتوريو إيمانويل الثاني".
.jpeg)
هذا الصرح المعماري المهيب، الذي يتوسط المسافة بين كاتدرائية الدومو ومسرح "لا سكالا" ويُعرف مجازاً بـ"غرفة معيشة ميلانو"، أُغلق أمنياً بالكامل ليحتضن نحو خمسمئة شخصية من النخبة، في ليلة تساءلت بجرأة: ماذا يتبقى من قدسية اللمسة البشرية في زمن الذكاء الاصطناعي؟
حين يُصنع المستقبل بيد الحرفي
تحت شعار "حيث يُصنع المستقبل باليد"، نسج العرض فلسفته العميقة. لم ترَ "فوغ" في التكنولوجيا المتسارعة عدواً للحرفة اليدوية الإيطالية (Handmade)، بل أداة للعبور نحو المستقبل. وتُرجمت هذه الرؤية عبر شراكات استراتيجية ضخمة جمعت رعاية بلدية ميلانو وغرفة الموضة الإيطالية، مع عمالقة التكنولوجيا والخدمات مثل "ميتا" (Meta Glasses)، "أوبن إي آي" (OpenAI)، "فيديكس" (FedEx)، إلى جانب "إيلي ليلي" (Eli Lilly)، "ألو" (Alo)، ومنصة "إيباي" (eBay) التي تكفلت تعزيز رسالة الاستدامة عبر قطع أرشيفية نادرة.
ولأن الأزياء والموضة الراقية لا تنفصل عن النبض الإنساني، توجت الليلة بجمع قرابة مليوني يورو وُجهت لدعم مركز إبداعي ثقافي في مكتبة "كوارتو أوجيارو" شمال ميلانو، في خطوة نبيلة لربط أضواء المركز التاريخي بهوامش المدينة. كما امتد التفاعل للجمهور عبر افتتاح "فوغ كافيه" في "بالازو دي جيريسولتي"، والذي وفر مساحات لاختبار نظارات "ميتا" الذكية، وورش عمل فنية استمرت لأيام.
سردية بصرية في خمسة فصول مسرحية
تخلى الحدث عن شكل المنصة الكلاسيكية، ليتحول إلى عملٍ أوبرالي متكامل الفصول، تخلله أداء موسيقي حي لأوركسترا دمجت كلاسيكيات الأوبرا بنبض التكنو المعاصر.
بدأت السردية، التي تصدرت انطلاقتها العارضة الإيطالية فيتوريا سيريتي، باستحضار عصر النهضة. هنا، أطلت أيقونة الجمال جيجي حديد بفستان من التشكيلة الراقية لدار "فالنتينو" لربيع 2025، يحمل توقيع المصمم أليساندرو ميشيل. جسد هذا الفستان، المصنوع من لحف فينيسية معاد تدويرها والذي استغرق إنجازه 1680 ساعة من العمل اليدوي المحض، ذروة الالتزام بالتفاصيل، واكتملت إطلالتها الساحرة بأقراط من "دامياني".
تلا ذلك انتقال سلس نحو فصل "الثورة الصناعية"، المستلهم من صرامة الخياطة في مدينة تورينو. سيطرت الخطوط الهندسية والبدلات المونوكرومية من إبداعات "جورجيو أرماني"، "برونيلو كوتشينيلي"، و"غوتشي"، في مشهدٍ مسرحي أعاد تمثيل حركة الشارع اليومية على أنغام الموسيقار الراحل إنيو موريكوني.
أيقونات "الدولتشي فيتا" وتصادم الأزمنة
ارتفع إيقاع النوستالجيا في الفصل الثالث، بحيث استعادت المنصة سحر السينما الإيطالية وحقبة "الدولتشي فيتا". ظهرت النجمة كاردي بي مرتدية فستاناً أرشيفياً من "فيرساتشي" لربيع 2018 بنقشات البوب آرت، مزينة بمجوهرات "تيفاني آند كو".
.jpeg)
في حين قدمت سيمون أشلي مفهوماً حاداً للأناقة النسائية ببدلة مقلمة من "تودز". ولم يقتصر الحضور على نجوم الفن، بل شمل شخصيات رياضية من أندية إنتر ميلان وإي سي ميلان، وبطل التزلج كيغان بالمر.
أما اللحظة التي توقف عندها الزمن، فكانت حين نهضت النجمة جينيفر لوبيز من مقعدها في الصف الأمامي، لتنضم إلى العرض بأداء يحاكي سحر أنيتا إكبيرج في نافورة تريفي. تألقت لوبيز بفستان "كورسيه" أسود مشغول بالخرز من "دولتشي آند غابانا"، مع لمسات جمالية راقية أشرف عليها خبير الأظافر توم باتشيك.
التكنولوجيا تعانق أجساد الراقصين
في الفصل الرابع، تجسد الصدام المدروس بين التراث والابتكار. ظهر النجم ماشين غان كيلي (MGK) ببدلة من "بيبلوس"، وأليكس كونساني بتصميم من ألياف زجاجية معاد تدويرها من "بوتيغا فينيتا". لكن اللوحة الأبرز تمثلت في الأداء الجسدي الخلاب لنجم مسرح "لا سكالا" روبرتو بولي، الذي رقص على ألحان "لا ترافياتا" مرتدياً تصاميم من "فيراري" بتوقيع روكو يانوني، اعتمدت على أنسجةٍ تقنية مرنة تحررت من قيود الأزياء التقليدية لترافق حركة الجسد البشري، وسط تواجد لافت لعناصر روبوتية متحركة.
خاتمة بيضاء تُبشر بغد الموضة
أسدل الستار بفصل "ثورة الخيال"، متخلياً عن الحنين لمصلحة صفحة بيضاء نقية. جلست الفنانة أليشيا كيز خلف البيانو لتشدو برائعة "آي فيل لاف"، متألقةً بفستانٍ حالم مزج الشيفون والساتان، من ابتكار فرانشيسكو ريسو وأليكس سوساه، رافقها أداء صوتي مهيب لـ103 شبان من مغني مسرح "لا سكالا" بأزياء من "بينيتون". وتوّج المشهد الختامي بتساقط ستة آلاف قطعة ورقية صممها بدقة هندسية جوني إيف وشركة "لوف فروم" (LoveFrom)، في مشهدٍ بصري يحبس الأنفاس.
السجادة الحمراء: تنوع يختزل العالم
بعيداً من المنصة، كانت السجادة الحمراء عرضاً مستقلاً بذاته. أطلت داكوتا جونسون بإبداع مخملي من مجموعة "فالنتينو" لخريف 2026، واختارت هانتر شيفر تصميماً خفيفاً من "برادا" لربيع 2027. كما سجلت باميلا أندرسون عودةً مدوية لمكياج الغلامور الكامل بأنامل خبيرة المكياج بات مكغراث، إلى جانب حضور طاغٍ لأسماء مثل داوين وايد وزوجته غابرييل يونيون (برادا)، وإيفي غيتي (فيرساتشي أرشيفي)، ونعومي كامبل بشعرها الأشقر الجديد، ومونيكا بيلوتشي.
ولم تغب اللمسة الآسيوية الفاخرة؛ فتألقت الممثلة الهندية راشميكا ماندانا بفستان نحتي للمصممة أنا ميكا خانا مع مجوهرات سواروفسكي وحقيبة غوتشي، بينما لفت نجم الكيبوب تشوي سان الأنظار ببدلة كلاسيكية ثلاثية القطع من "دولتشي آند غابانا".
في المحصلة، أثبتت ليلة عرض "فوغ وورلد" ميلانو 2026 أن إيطاليا لا تركن إلى أرشيفها الباذخ فحسب، بل تستخدمه مادة خام لصوغ مستقبل الموضة، مؤكدة أن الإبرة البشرية ستبقى المايسترو الحقيقي لكل سيمفونيات التطور.
نبض