بالنسياغا في عرض Unsized Resort 2027 حرّرت الموضة من سلطة المقاس
بيير باولو بيتشولي يعيد رسم مستقبل الفخامة
في أول مجموعة (Resort) متكاملة تحت قيادة المدير الإبداعي بيير باولو بيتشولي، تدخل "بالنسياغا" (Balenciaga) مرحلة جديدة تُقدّم فيها الراحة والإنسان قبل الصورة، وتحوّل الفخامة من استعراض للقوّة إلى تجربة من الخفة والحريّة.
بعد سنوات ارتبطت فيها الدار بالضخامة البصرية، الاستفزاز المقصود، والقطع التي تفرض حضورها بقوة، جاء بيير باولو بيتشولي ليطرح سؤالاً مختلفاً تماماً: ماذا لو أصبحت الفخامة أكثر خفة، وتكيّفت الملابس مع الجسد بدلاً من إجباره على التكيّف معها؟
من هنا، وُلدت واحدة من أكثر المجموعات إثارة للاهتمام هذا الموسم؛ أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والملابس.

فلسفة جديدة عنوانها الحرية
جوهر مجموعة أزياء المنتجعات والسفر (Resort 2027) لا يتمثّل في لون، أو قصّة، أو قطعة محدّدة، بل في مفهوم كامل حمل "المقاس الحرّ" (Unsized).
هذه الفكرة لا تتعلق بإلغاء المقاسات التقليدية فحسب، بل بإعادة النظر في الطريقة التي تُبنى بها الملابس أساساً.

الأزياء في هذه المجموعة، لا تفرض شكلها على من يرتديها، بل تمنحه مساحة للحركة، والتعبير الحرّ. الأحجام تتبدّل، والقصّات تتمدّد وتنكمش، وتتحرّك مع الجسم بدلاً من أن تقيّده.
إنها فلسفة تضع الإنسان في مركز التصميم، وتعيد تعريف الرفاهية من خلال الراحة والمرونة. في زمن أصبحت فيه الراحة جزءاً أساسياً من مفهوم الرفاهية، تبدو هذه الفلسفة قراءة دقيقة لما تريده النساء اليوم من الموضة.



إرث كريستوبال بالنسياغا بروح معاصرة
لم يحاول بيير باولو بيتشولي إعادة إنتاج أرشيف "كريستوبال بالنسياغا" (Cristóbal Balenciaga)، كما لم يسعَ إلى الانفصال عنه. بل اختار أن يستعيد جوهره الحقيقي.
فالمؤسس الأسطوري للدار كان من أوائل المصمّمين الذين حرروا المرأة من البنية الصارمة التي سيطرت على الموضة في منتصف القرن الماضي. واليوم، يواصل بيتشولي هذه الفكرة لكن بلغة تناسب القرن الحادي والعشرين.
لذلك حضرت الأحجام الكبيرة، والأشكال البيضاوية الشهيرة، والقصّات المنحوتة، لكن من دون أي شعور بالثقل أو الجمود.
إنها بالنسياغا التي نعرفها، ولكن بنسخة أكثر نعومة.

الخفة تصبح عنوان الفخامة الجديدة
أحد أبرز إنجازات المجموعة يتمثل في قدرتها على تحقيق معادلة تبدو مستحيلة: أحجام ضخمة بوزن خفيف.
التنانير المنتفخة، الفساتين الواسعة، والعباءات ذات الحضور المسرحي بدت وكأنها معلقة في الهواء.

هذه النتيجة لم تأتِ من خلال القصّات فقط، بل عبر عمل تقني دقيق على الخامات، حيث اعتمد المصمّم على نوع من التفتا التقنية الفائقة الخفة، وكشمير مزدوج، وموهير ناعم، وشيفون شفاف، وجلود معالجة لتبدو أكثر مرونة وانسيابية.
النتيجة كانت مجموعة تؤكد أن الفخامة في 2027 لن تُقاس بالوزن أو التعقيد، بل بالإحساس الذي تمنحه القطعة لمن يرتديها.


الحجم الكبير يكتسب معنى جديداً
في هذه المجموعة لا يُستخدم الحجم الكبير لإبهار الجمهور فقط، بل وُظّف لإبراز الحركة وتسهيلها.
ظهرت التنانير البالونية العملاقة، والفساتين العمودية الطويلة، والعباءات الدرامية، والسترات ذات الأكتاف القوية، لكن بطريقة أكثر مرونة مما اعتدناه في "بالنسياغا" (Balenciaga) سابقاً. حتى أكثر الإطلالات دراميّة بدت قابلة للارتداء في الحياة اليوميّة، وهنا يكمن ذكاء المجموعة.
فهي لا تكتفي بإنتاج صور جميلة للكاميرات، بل تقدّم أفكاراً يمكن أن تتحوّل إلى اتجاهات حقيقية في خزائن النساء خلال المواسم المقبلة.




الكوتور يلتقي بالشارع
من أكثر الرسائل وضوحاً في العرض انهيار الحدود التقليدية بين الأزياء الراقية والملابس اليومية.
ظهرت ملابس كاجوال مثل الدنيم والقمصان البسيطة والأحذية المسطّحة داخل إطلالات تحمل مستوى حرفياً قريباً من عالم الكوتور.



هذا المزج بين عالمين متناقضين ظاهرياً منح المجموعة شعوراً بالواقعية، وكأن بيتشولي يريد القول إن الأزياء الراقية لا ينبغي أن تبقى حبيسة المناسبات الكبرى، بل يجب أن تصبح جزءاً من الحياة اليومية.



لوحة ألوان تعرف متى تهمس ومتى تتحدث بصوت عالٍ
رغم هيمنة الأسود الذي يبقى جزءاً أساسياً من الحمض النووي لبالنسياغا، فإن المجموعة لم تخلُ من لحظات لونية قوية.
ظهرت درجات الفوشيا الصادمة، والبنفسجي العميق، والأصفر الذهبي، والأخضر الزمردي، الأزرق، والبني بدرجة الكونياك الغني.



لكن اللافت أن هذه الألوان لم تُستخدم لاستعراض القوة البصرية، بل لإضفاء بُعد عاطفي على المجموعة. فاللون هنا ليس مجرد اتجاه موسمي، بل أداة للتعبير عن المزاج والحركة والضوء.



الأقمشة التي صنعت القصّة
بعيداً عن القصّات والألوان، كانت الخامات أحد الأبطال الحقيقيين لهذا العرض.
التفتا التقنية الخفيفة منحت التنانير الضخمة مظهراً هوائياً، الشيفون أضفى سيولة وحركة مستمرة على الفساتين. فيما قدّم الكشمير والموهير إحساساً بالفخامة الهادئة. أما الجلد الذي يُنظر إليه عادة كخامة صلبة وثقيلة، فقد ظهر أكثر ليونة وانسيابية من أي وقت مضى.



في بعض الإطلالات بدا الجلد وكأنه حرير، بينما بدت الأقمشة الخفيفة وكأنها منحوتات معمارية. هذا التناقض الذكي كان أحد أكثر عناصر المجموعة إبداعاً.



الأكسسوارات… امتداد للفكرة لا مجرّد زينة
لم تكن الأكسسوارات عنصراً مكمّلاً للإطلالات، بل جزءاً من اللغة البصرية التي بنى عليها بيشيولي المجموعة.

النظارات الضخمة ذات الطابع المستقبلي عزّزت فكرة الحماية والخصوصيّة. فيما تحوّلت المجوهرات المعدنية الكبيرة إلى عناصر بنيوية داخل بعض الإطلالات.


أما الحقائب فجاءت أكثر هدوءاً ونضجاً، مع استمرار حضور النماذج التي حققت نجاحاً تجارياً للدار خلال المواسم الأخيرة.
كل شيء بدا مدروساً لخدمة الفكرة الأساسية: لا شيء زائداً، ولا شيء بلا وظيفة.




الأحذية المسطحة تنتصر
وسط عودة كثير من الدور إلى الكعوب المرتفعة، اختارت "بالنسياغا" (Balenciaga) اتجاهاً مختلفاً.
فقد حضرت الأحذية المسطحة وأحذية الباليه والتصاميم العملية في عدد كبير من الإطلالات.
وهو قرار يعكس فهماً جديداً للفخامة المعاصرة، حيث لم تعد الراحة تتعارض مع الأناقة، بل أصبحت جزءاً منها.



هل نشهد بداية بالنسياغا جديدة؟
من المبكر الحكم على عهد بيير باولو بيتشولي من خلال مجموعة واحدة فقط، لكن (Resort 2027) تقدّم مؤشرات قويّة إلى أن الدار تتجه نحو مرحلة مختلفة جذرياً. مرحلة أكثر اهتماماً بالإنسان، أقل تركيزاً على فرض الصورة وأكثر اهتماماً بالتجربة، بعيدة عن الضجيج وأكثر ثقة بقوّة التصميم نفسه.
لهذا السبب لا يمكن النظر إلى مجموعة (Unsized Resort 2027) من "بالنسياغا" (Balenciaga) كمجرد مجموعة موسمية جديدة، بل كبيان إبداعي يوضح كيف يمكن لدار عريقة أن تحترم تاريخها من دون أن تصبح أسيرة له.
إنها مجموعة لا تتحدث عن الملابس فقط، بل عن طريقة جديدة للعيش داخلها.






العلامات الدالة
الأكثر قراءة
قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.
نبض