من بيروت إلى إمبراطورية "سواتش"... كيف أنقذ اللبناني نيكولا حايك الزمن السويسري؟
في عالم الساعات السويسرية، هناك رجال صنعوا علامات فاخرة، وآخرون ابتكروا ساعات خالدة، لكن قلّة فقط غيّرت قواعد اللعبة بالكامل. من بين هؤلاء يبرز اسم نيكولا حايك، الرجل الذي انطلق من بيروت ليصبح العقل الذي أعاد إحياء صناعة الساعات السويسرية عبر "سواتش"، وحوّل الساعة من أداة لمعرفة الوقت إلى رمز ثقافي عالمي.


ولد حايك في بيروت عام 1928، ودرس الرياضيات والفيزياء والكيمياء في فرنسا، قبل أن ينتقل في الخمسينيات إلى سويسرا مع زوجته ماريان ميزغر. هناك، دخل عالم الصناعة عندما تولّى إدارة مصنع عائلة زوجته، قبل أن يؤسس لاحقاً شركة استشارات متخصصة في إعادة هيكلة الشركات، ويصبح واحداً من أبرز المستشارين الصناعيين في أوروبا.
لكن في السبعينيات، كانت صناعة الساعات السويسرية تعيش أزمة خانقة. فقد اجتاحت الساعات اليابانية الأسواق العالمية، خصوصاً من شركات مثل: "سيكو" (Seiko) و "كاسيو" (Casio)، مقدّمة ساعات دقيقة ورخيصة وسهلة الإنتاج، فيما كانت الشركات السويسرية تغرق في الخسائر.

عندها، استعانت المصارف السويسرية بحايك لإنقاذ القطاع. لكنه لم يقدّم حلاً تقليدياً، بل اقترح دمج أكبر مجموعتين للساعات في كيان واحد حمل اسم "SMH"، الذي تحوّل لاحقاً إلى "مجموعة سواتش" (The Swatch Group)، أكبر مجموعة ساعات في العالم.
لكن خطته الحقيقية كانت إطلاق ساعة تغيّر كل شيء. ففي وقت كانت الساعات السويسرية رمزاً للنخبة والترف، قرّر حايك إطلاق ساعة بلاستيكية، ملوّنة، خفيفة ومنخفضة السعر. هكذا وُلدت "سواتش" (Swatch)، الاسم الذي جمع بين "Swiss" و"Watch".
لم تكن "سواتش" مجرد ساعة، بل ثورة صناعية وتسويقية وثقافية. ففي الأول من آذار/مارس 1983، أطلقت العلامة أول مجموعة من 12 نموذجاً في زيورخ، وسرعان ما اجتاحت العالم. وبحلول التسعينيات، كانت الشركة قد باعت نحو 100 مليون ساعة.

لكن عبقرية حايك لم تكن في السعر فقط، بل في فهمه المبكر أن الناس لن يشتروا الساعة مستقبلاً لمعرفة الوقت فقط، بل للتعبير عن شخصيتهم وهويتهم. وهكذا تحوّلت "سواتش" إلى قطعة موضة وفن، وتعاونت لاحقاً مع فنانين عالميين مثل: "كيث هارينغ" (Keith Haring) و"يوكو أونو" (Yoko Ono).
عام 1998، أثار حايك جدلاً واسعاً عندما قرّر تغيير اسم المجموعة من SMH إلى "The Swatch Group". كثيرون داخل العلامات الفاخرة مثل "أوميغا" (Omega) لم يتقبّلوا أن تحمل إمبراطورية ساعات فاخرة اسم ساعة بلاستيكية، لكن حايك كان يرى في "سواتش" الفكرة التي أنقذت الصناعة السويسرية بأكملها.

والمفارقة أن الرجل الذي أنقذ ساعات الكوارتز، كان أيضاً من أبرز من أعادوا إحياء الساعات الميكانيكية الفاخرة، عبر إعادة تقديم علامات مثل: "أوميغا" (Omega) وبريغيه (Breguet) و"بلانبان" (Blancpain) و "لونجين" (Longines)، قبل أن تتحوّل المجموعة إلى إمبراطورية تضم أيضاً "تيسو" (Tissot) و "هاملتون (Hamilton) و "رادو" (Rado) و "سيرتينا" (Certina).

كان حايك يحب لعب دور "Mr. Swatch". ففي أولمبياد أتلانتا 1996، حمل بنفسه الشعلة الأولمبية، كما حاول نقل فلسفة "سواتش" إلى مجالات أخرى، فأطلق هواتف "سواتش"، ودخل في شراكة مع Daimler-Benz لتطوير سيارة Smart .

بعد وفاته عام 2010، بقيت العائلة ممسكة بالمجموعة. اليوم تتولى ابنته نايلة حايك رئاسة مجلس الإدارة منذ عام 2010، بعدما كانت عضواً في مجلس الإدارة منذ 1995. كما تتولى الإشراف على أنشطة المجموعة في الشرق الأوسط، خصوصاً في دبي والسعودية، وتمثل مصالح "سواتش" في "مجموعة ريفولي" في دبي.

أما ابن نيكولا، نيك حايك، فيشغل منصب الرئيس التنفيذي لـ"سواتش" منذ 2003 وعضوية مجلس الإدارة منذ 2010. انضم إلى المجموعة عام 1992 بعد تجربة في مجال الإنتاج السينمائي في باريس، حيث أسّس شركة خاصة وشارك في إنتاج أفلام حصدت جوائز دولية. كما أشرف على مشاريع ومعارض لـ"سواتش"، ويشغل مناصب في مؤسسات سويسرية متخصصة بالتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

الحفيد مارك ألكسندر حايك، فهو عضو في مجلس إدارة مجموعة "سواتش" منذ 2024. انضم إلى المجموعة عام 2001 عبر علامة Blancpain، قبل أن يتولى مسؤولية عدد من أبرز العلامات الفاخرة.

ورغم التحديات التي تواجهها "سواتش" اليوم، لا تزال فلسفة نيكولا حايك حيّة. ويكفي النظر إلى نجاح تعاونات مثل MoonSwatch مع Omega، أو Royal Pop مع Audemars Piguet، لفهم أن الرجل اللبناني سبق عصره بسنوات طويلة. لقد أدرك باكراً أن الساعة ليست مجرد أداة لقياس الوقت… بل قصة وهوية وحلم.

نبض