ماهلاغا جابري لـ"النهار": سأعود إلى إيران عندما تصبح بلداً حراً بلا سجون وتعذيب
منذ سنوات، لا تكتفي عارضة الأزياء الإيرانية العالمية ماهلاغا جابري بحضورها في عالم الموضة، بل تحوّل منصّاتها إلى مساحة سياسية وإنسانية للدفاع عن شعبها. جابري التي تعيش اليوم في الولايات المتحدة، تحمل في ذاكرتها سبعة عشر عاماً أمضتها في إيران قبل أن تغادرها، هرباً من واقع تقول إنه لم يكن آمناً تحت حكم النظام الحالي.
من هناك، تتابع ما يجري في بلدها وفي المنطقة بقلق وغضب، معتبرة أن ما تعيشه إيران منذ عقود لا يقتصر على الداخل الإيراني فحسب، بل يمتد أثره إلى دول عديدة في الشرق الأوسط، من بينها لبنان. وتقول إن الإيرانيين في الداخل والخارج أمضوا سنوات وهم يحاولون تنبيه العالم إلى خطورة هذا النظام، لكن أصواتهم كثيراً ما قوبلت بالتجاهل، لأن كثيرين اعتبروا أن المسألة شأن داخلي يخص الإيرانيين وحدهم.
اليوم، وفي ظل التصعيد العسكري والتوتر المتصاعد في المنطقة، ترى جابري أن اللحظة الراهنة قد تكون مفصلية، ليس فقط بالنسبة إلى إيران، بل أيضاً لمستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط. بالنسبة إليها، لا يتعلق الأمر بصراع سياسي عابر، بل بقضية حرية وكرامة وأمن إقليمي، دفعت ثمنها شعوب كثيرة.
في هذه المقابلة، تتحدث جابري بصراحة عن متابعتها للحرب، وعن آمال الإيرانيين في التغيير، وعن رسالتها للناس داخل إيران، كما تعبّر عن تضامنها مع الشعوب التي تأثرت بسياسات النظام الإيراني في المنطقة، ومن بينها لبنان، متخيلة شرقاً أوسط مختلفاً لو تغيّر هذا الواقع.

- كيف تتابعين الحرب الدائرة حالياً على إيران، وكيف أثّرت فيك على الصعيد الشخصي؟
أتابع الوضع عن كثب شديد، دقيقة بدقيقة، عبر مصادر مستقلة موثوقة ورسائل مباشرة من أشخاص على الأرض. بالنسبة إليّ، الأمر ليس مجرد عناوين أخبار؛ إنه يتعلق بعائلتي وأصدقائي والناس الذين نشأت بينهم وأهتم بهم بعمق.
على الصعيد العاطفي، كان الأمر ثقيلاً للغاية. إن مشاهدة وطنك يعاني طوال 47 عاماً من القمع الداخلي والعنف وعدم الاستقرار أمر مفجع. وفي الوقت نفسه، يخلق ذلك شعوراً بالإلحاح والوضوح بشأن مدى أهمية تحقيق تغيير حقيقي في إيران في هذا الوقت.
ما يثير قلق كثيرين، ومن بينهم أنا، هو أن النظام الحالي سعى إلى امتلاك أسلحة نووية وبرامج صواريخ بعيدة المدى قد تصل يوماً إلى ما هو أبعد من المنطقة، حتى إلى الولايات المتحدة. إن الأيديولوجيا التي تحرّك هذا النظام خطرة ليس فقط على الإيرانيين، بل أيضاً على استقرار العالم وأمنه، ولا يمكن تجاهلها ببساطة.
ورغم كل الألم وعدم اليقين، لا يزال هناك أمل. أمل في أن تصبح إيران يوماً ما بلداً حراً ومسالماً وقوة إيجابية في العالم من جديد.

- برأيك، هل يمكن لما يحدث اليوم أن يقود إلى تحرير إيران بعد عقود من القمع؟
الأمر لا يتعلق فقط بتحرير إيران، بل أيضاً بالسلام والاستقرار العالميين. فعلى مدى عقود، لم يكتفِ النظام في إيران بترهيب مواطنيه، بل نشر أيضاً عدم الاستقرار في المنطقة من خلال ميليشيات وجماعات بالوكالة تنشط في أماكن مثل لبنان واليمن وسوريا والعراق. وقد تجاوزت تبعات هذه الأفعال حدود إيران بكثير.
ويعتقد كثير من الإيرانيين أنه إذا تمكّن هذا النظام يوماً من امتلاك أسلحة نووية، فإن التهديد سيتجاوز المنطقة ليصبح خطراً عالمياً.
لقد أظهر لنا التاريخ أن نقاط التحوّل غالباً ما تأتي في لحظات الضغط الشديد. فعندما يضعف أي نظام سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً، يصبح صوت الشعب أعلى.
غير أن التحرير لا يحدث فقط عبر العمليات العسكرية، بل يأتي أيضاً من خلال الوحدة والتنظيم والاعتراف الدولي بإرادة الشعب. ما يحدث الآن قد يفتح باباً، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا بقي الإيرانيون متحدين، وإذا فهم العالم أن الشعب الإيراني ليس هو النظام.
وبينما يعارض بعض الناس هذه الحرب، يُظهر التاريخ أن كثيراً من الدول تحررت بمساعدة تدخل دولي قوي، مثل فرنسا وألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا بالضبط ما نأمله رغم العواقب المحتملة، لأنه خيارنا الوحيد. لم تكن أي دولة أخرى مستعدة لمد يد العون، بينما بقي بقية العالم مجرد متفرج.

أما الذين يعتقدون أن على الشعب الإيراني أن يواصل القتال ويحرر نفسه من دون تدخل خارجي، فإن حتى أقوى جيوش العالم لا تستطيع إنهاء هذا النظام بين ليلة وضحاها، وقد يستغرق الأمر أسابيع بالنسبة إليها. لذلك فإن الاعتقاد بأن الناس يمكنهم إسقاط هذا النظام بأيدٍ خالية ليس واقعياً. واقتراح ذلك يعني أن مزيداً من الإيرانيين سيموتون إلى أن يتمكن هذا النظام من الحصول على أسلحة نووية ويرتكب مجازر بحق مزيد من الأبرياء، بمن فيهم الأطفال.
لذلك من المهم جداً أن يعرف الناس ويفهموا أن هذا يعكس ما يريده غالبية الإيرانيين، سواء داخل البلاد أو خارجها. فقد وصل كثيرون إلى نقطة باتوا مستعدين فيها لخسارة كل شيء إذا كان ذلك ما يتطلبه إنهاء هذا النظام. لأنه إذا لم ينهَر النظام بالكامل، فإن أفعاله وطموحاته ستستمر في تهديد ليس فقط الشعب الإيراني، بل أيضاً أمن العالم واستقراره. وعندها ستصبح حياة الجميع في خطر.

- عملياً، كيف تعبّرين عن تضامنك مع بلدك خلال هذه الأزمة؟
أستخدم منصتي لرفع أصوات الناس داخل إيران. ومع وجود ملايين الأشخاص الذين يتابعونني، أشعر بمسؤولية كبيرة لنشر معلومات موثوقة وصادقة، من دون إعادة توجيه السردية وفق معتقداتي الشخصية.
أنا أنقل ما يقوله ويطالب به الشعب الإيراني نفسه، لأنهم هم من دفعوا الثمن الأكبر.
منصتي مفتوحة للنقاش والمشاركة. وعلى عكس البعض الذين يغلقون أقسام التعليقات للتحكم بالسردية، أشجع الناس على الكلام والنقاش والتعبير عن آرائهم. كما أحاول مواجهة المعلومات المضللة والدعاية عبر مشاركة مصادر موثوقة وشهادات مباشرة.
وأذكّر الناس باستمرار بالتمييز بين الشعب الإيراني ومن هم في السلطة، وأدعو إلى الوحدة بدلاً من الانقسام بين الإيرانيين في كل مكان.
كما أن التضامن يعني أيضاً الدعم العاطفي، والاطمئنان إلى الناس داخل إيران، والمساعدة في ربط الموارد عندما يكون ذلك ممكناً، والتأكد من أن المجتمع الدولي لا ينسى ما يمر به الإيرانيون. فالأمر يتعلق بتذكير العالم بأن الإيرانيين يستحقون الأمان والكرامة والحرية مثل أي شعب آخر.

- ما رسالتك للإيرانيين العالقين بين الغارات الجوية الإسرائيلية والأميركية والقمع الداخلي؟
تم تحذير الشعب الإيراني مراراً بالبقاء في منازلهم والاحتماء في الملاجئ قبل الغارات الجوية. وكما رأينا، فقد أوضحت الولايات المتحدة وإسرائيل أن عملياتهما تستهدف المواقع العسكرية والاستراتيجية التابعة للنظام، وليس المدنيين.
هذه الجهود المشتركة تُضعف بشكل كبير قدرة النظام على مهاجمة شعبه وقمعه. وعندما يحين الوقت المناسب، سيُدعى الناس إلى الخروج والمساعدة في إسقاط النظام، وهو الهدف النهائي.
ومن المهم أيضاً أن نتذكر أن عواقب أفعال هذا النظام لا تقتصر على إيران. فقد شنّت الجمهورية الإسلامية هجمات أثرت في دول مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر والسعودية وعُمان والكويت وغيرها. إن حالة عدم الاستقرار التي خلقها هذا النظام تؤثر في المنطقة بأكملها.
وفي الوقت نفسه، عاش كثير من الإيرانيين داخل البلاد تحت قمع شديد لعقود، إلى درجة أنهم، بشكل مأساوي، أصبحوا في كثير من الأحيان أقل خوفاً من احتمال سقوط القنابل من خوفهم من ألا تصلهم أي مساعدة وأن يبقى النظام في السلطة. وهذا يوضح حجم اليأس الذي يعيشه الناس بعد 47 عاماً من القمع.

إلى الشعب الإيراني وإلى جيراننا في المنطقة: لستم وحدكم. العالم يراكم، والشتات الإيراني يعمل بلا كلل لنقل أصواتكم إلى خارج إيران. يجب أن تكون سلامتكم أولاً. احموا أنفسكم. حياتكم ثمينة.
أيها الإيرانيون الأعزاء، إن مستقبل البلاد يعتمد على بقائكم أحياء وأقوياء ومتحدين ومفعمين بالأمل. يرجى البقاء بأمان واتباع إرشادات الأمير رضا بهلوي، قائدنا الانتقالي الموثوق، إلى أن يحين الوقت الذي يصبح فيه خروج الشعب آمناً ليصوغ مستقبل إيران.
ولأفراد الخدمة العسكرية الأميركية الذين فقدوا حياتهم في هذه العملية، شكراً لخدمتكم وشجاعتكم. ستظل شجاعتكم وتضحياتكم خالدة في الذاكرة ومحترمة عبر الأجيال، ولا سيما في إيران.
- لو استطعتِ التحدث مباشرة إلى فتاة صغيرة في إيران تعيش القصف والقمع، ماذا ستقولين لها؟
سأقول لها: أنتِ أقوى مما تعتقدين. ما تمرين به الآن لا يحدد مستقبلك. هذا الظلام ليس دائماً.
أنتِ تستحقين الحرية والتعليم والضحك والسلام. والحقيقة الصعبة هي أن الحرية تأتي بثمن، وعلينا أن نعبر هذا الظلام معاً.
يوماً ما، ستروين قصتك، ولن تكون قصة خوف، بل قصة بقاء وقوة.
وحتى يحين ذلك اليوم، هناك ملايين الأشخاص يفكرون بك ويدعمونك.

- في أي ظروف قد تفكرين في العودة إلى إيران؟
سأعود في اللحظة التي تصبح فيها إيران بلداً يستطيع الناس فيه التحدث بحرية من دون خوف من السجن أو التعذيب أو الإعدام.
سأعود إلى إيران يكون فيها الناس، وخاصة النساء، غير خاضعين للسيطرة، وتكون الانتخابات فيها حقيقية، ولا يُضطهد أحد بسبب معتقداته.
أريد أن أعود إلى إيران آمنة، لا مجرد إيران تغيّرت. إيران الآمنة هي عندما يختفي هذا النظام وميليشياته، ويتم اختيار الأمير رضا بهلوي قائداً انتقالياً موثوقاً لنا.
- في خضم كل ذلك، ما الذي يمنحك الأمل؟
الناس.
ما يمنحني الأمل هو الوحدة بين الإيرانيين داخل البلاد والإيرانيين خارجها؛ فهاتان المجموعتان تكمل إحداهما الأخرى. الإيرانيون في الداخل عبر شجاعتهم وإصرارهم الكبيرين، والإيرانيون في الخارج عبر دعمهم لهم وتضخيم أصواتهم في العالم ليعرف الجميع أن النظام الذي يحتل إيران مختلف عن شعب إيران.
كما يمنحني الأمل الجيل الشاب داخل إيران الذي يرفض الصمت، وشجاعة النساء، والوحدة التي تتشكل رغم اختلاف الآراء السياسية.
والأهم أن الرغبة في الحرية لم تمت رغم عقود من القمع.
الأمل يعيش في الشعب الإيراني، وهذا شيء لا يمكن لأي نظام ولا لأي قنبلة أن تدمره.
نبض