فالنتينو غارافاني... إرث الأناقة الإيطاليّة الذي بات مرجعاً في تاريخ الموضة العالمي (صور وفيديو)
في تاريخ الموضة، قلّة من الأسماء استطاعت أن تتحوّل إلى لغة بصريّة مستقلّة، وهويّة يمكن تمييزها من دون توقيع. فالنتينو غارافاني هو أحد هؤلاء القلائل. هذا المصمّم المبدع، هو مؤسّس مفهوم جمالي متكامل، جعل من الأناقة حالة ثقافيّة، ومن الفستان خطاب ترفٍ هادئ.
برحيل فالنتينو غارافاني، يطوي عالم الموضة فصلاً كاملاً من تاريخه الحديث. ليس لأن اسماً كبيراً غاب، بل لأن رؤية متكاملة للأناقة، صيغت عبر عقود من الانضباط والحرفية، انتقلت من الحضور إلى الذاكرة المهنية. فالنتينو كان من المصمّمين الذين منحوا الموضة لغة واضحة ومعايير طويلة الأمد.



من روما إلى تأسيس دار تحمل اسمه
وُلد فالنتينو في إيطاليا، البلد الذي يرى في الجمال امتداداً للتاريخ. ومن روما التي تفهم الفخامة إرثاً، تجاوز غارافاني الجغرافيا وأطلق تصاميمه للعالم. أسّس دار "فالنتينو" (Valentino) عام 1960 التي ساهمت في صناعة الهوت كوتور.



منذ البداية، ارتبطت دار "فالنتينو" (Valentino) بفكرة الفخامة المتزنة التي لا تعتمد المبالغة. كان فالنتينو واضحاً، لا يسعى إلى كسر القواعد بقدر ما يسعى إلى إتقانها لكي تصبح مرئيّة بلا جهد، ووضع هوية قائمة على الأناقة التي لا تخضع للصيحات العابرة، بل تعتمد القصّات الدقيقة، وتحترم التناسب بين الجسد والثوب. حرفية لا تبحث عن الإبهار بقدر ما تسعى إلى الإتقان.



التصميم بوصفه ممارسة فكرية
تعامل فالنتينو مع التصاميم باعتبارها ممارسة فكرية قبل أن تكون عملاً إبداعياً، ونظاماً جمالياً متكاملاً. تكوينه الأكاديمي الصارم، واطلاعه العميق على الخياطة الفرنسيّة الراقية، منحاه قدرة نادرة على المزج بين الانضباط البنيوي والإحساس الإيطاليّ، انعكس في وضوح الخطوط، وانسجام النسب، والقدرة على خلق حضور بصري هادئ يترك أثره بعد انقضاء اللحظة. تصاميمه رافقت المرأة بدل أن تفرض نفسها عليها، وهو ما منحها عمراً أطول في الذاكرة.
الأحمر الذي صاغ هوية
ارتبط اسم فالنتينو بلون أصبح جزءاً من تاريخه الشخصي وتاريخ الدار معاً. الأحمر الذي حمل توقيعه لم يكن اختياراً لونيّاً عابراً، بل تعبيراً عن فهم خاص للأنوثة والقوّة. درجة لونية نابضة بالحياة، صاغها بعناية، وتحوّلت مع الوقت إلى علامة تُقرأ فوراً من دون شرح، مؤكدة قدرة المصمّم على تحويل التفصيل إلى لغة.




الهوت كوتور والحرفية الصامتة
في مجال الهوت كوتور، قدّم فالنتينو نموذجاً للحرفيّة الصامتة قائماً على دقة التنفيذ وجودة المواد وتوازن العناصر. تصاميمه الراقية ابتعدت عن المبالغة البصرية، وركّزت على الخياطة المتقنة، ما جعلها حاضرة في الأرشيفات والمتاحف بوصفها أعمالاً مكتملة لا ترتبط بزمن محدّد.


دار فالنتينو بعد ابتعاده
بعد ابتعاد فالنتينو عن المشهد الإبداعي، استمرّت الدار في العمل ضمن إطار القيم التي صاغها المصمّم. مع الوقت، تغيّرت قراءات الدار وتطوّرت اللغة البصرية فيها، لكن جوهر الأناقة والحرفية بقيا مرجعاً ثابتاً في كل مرحلة جديدة، وهذا ما يؤكد أن الإرث الذي تركه فالنتينو لم يكن مرتبطاً بشخصه فقط، بل برؤية واضحة المعالم.


استمرارية الإرث
مع غياب أسماء إيطالية كبيرة، يصبح الحديث عن الموضة أكثر التصاقاً بالذاكرة والمعنى. في أقل من عام، فقد عالم الموضة اثنين من أعمدته البارزة. رحيل جورجيو أرماني في سبتمبر، ثم غياب فالنتينو غارافاني في 19 من شهر كانون أول/ديسمبر 2026، أغلقا فصلاً كاملاً من تاريخ الأناقة الإيطالية التي شكّلت وجدان القرن العشرين. فالنتينو الذي اتخذ اللون الأحمر النابض بالحياة شعاراً لداره، ترك إرثاً ليس مادة للحنين ولا يُقاس بالغياب الجسدي، بل باستمرار تأثيره في كل تعريف معاصر للفخامة والحرفيّة. هكذا تُقاس العظمة في الموضة، بما يبقى حيّاً بعد رحيل صُنّاعه.



نبض