من مطبخ مستشفى إلى موائد الرؤساء... حكاية نوال نويدر
"كنت أسمع أمي تقول لي: ابتعدي من هنا... لكنني لم أبتعد يوماً". بهذه العبارة تختصر نوال نويدر بداية الحكاية التي رسمت ملامح حياتها. ففي مطبخ أحد المستشفيات، حيث كانت والدتها تعمل، ولدت علاقتها الأولى بالطهو. كانت تراقبها بصمت، تحفظ الوصفات من النظر، وتلتقط أسرار المهنة قبل أن تتعلّم القراءة والكتابة، حتى باتت تقول ضاحكة: "أنا غوغل المطابخ".
اليوم، تبلغ نوال الثالثة والسبعين من عمرها، أمضت منها نحو ستة عقود بين القدور والمواقد. رحلة طويلة بدأت من مطبخ بسيط، وانتهت على موائد الرؤساء والوزراء والنواب وكبار المسؤولين، لكنها تؤكد أن ما أوصلها إلى هناك لم يكن الحظ، بل الإخلاص للمهنة وحبها لها.

من مطبخ المستشفى بدأت الحكاية
لم تكن طفولتها سهلة. فمنذ سنواتها الأولى، وجدت نفسها تتحمل مسؤوليات أكبر من عمرها، فتولّت رعاية إخوتها الأصغر، وكانت تحرص على إعداد الطعام لهم قبل عودتهم من المدرسة. وبينما أكمل إخوتها تعليمهم، لم تنل هي الفرصة نفسها، إذ فرضت ظروف العائلة أن تكون الأولوية لتعليم الذكور، فيما بقيت هي في المنزل.
ورغم ذلك، لم تسمح للحرمان بأن يتحوّل إلى عائق. في الخامسة عشرة من عمرها تزوّجت، لكن شغفها بالمطبخ رافقها إلى بيتها الجديد. بدأت تُحضّر الأطباق بطلب من الجيران، واشتهرت أولاً بالكبة والأكلات اللبنانية التقليدية، قبل أن تنتشر سمعتها تدريجياً، لتنتقل من الولائم العائلية إلى المناسبات الرسمية، حيث أصبحت تُكلَّف بإعداد موائد شخصيات سياسية ووزراء ونواب ورؤساء.

من الولائم العائلية إلى موائد الرؤساء
لكن نوال لا تتحدث كثيراً عن الأسماء التي طبخت لها، بقدر ما تستعيد المشاعر التي رافقتها في تلك المناسبات. تقول: "عندما كنت أدخل إلى قاعة الطعام بعد انتهاء التحضيرات وأرى الناس يقفون ويصفّقون لي، كنت أشعر أن كل سنوات التعب لم تذهب هدراً". بالنسبة إليها، لم يكن التصفيق مجرد تحيّة، بل شهادة تقدير لا تُمنح إلا لمن يعمل بإخلاص.
ولا تخفي أنها ارتكبت بعض الأخطاء خلال مسيرتها، لكنّها تعتبرها جزءاً طبيعياً من أي رحلة مهنية طويلة. وتقول: "من يعمل لا بد أن يخطئ، لكن المهم أن يتعلّم من خطئه وألا يكرره". فالمطبخ، كما تصفه، مدرسة تعلّم الصبر والدّقّة والانضباط، قبل أن تعلّم إعداد الطعام.

أولادي... الإنجاز الأكبر
ورغم أنها صنعت اسماً يعرفه كثيرون، فإن النجاح بالنسبة إليها له معنى مختلف تماماً. فلا تتحدث عن الولائم التي أعدّتها، ولا عن الشخصيات التي جلست إلى موائدها، بل عن أولادها. تقول من دون تردد: "أكبر إنجاز في حياتي ليس أنني طبخت للرؤساء والوزراء، بل أنني استطعت أن أعلّم أولادي". فقد عملت سنوات طويلة لتمنح أبناءها الفرص التي افتقدتها في طفولتها، حتى أصبح أحدهم مهندسًا، فيما شق الآخرون طريقهم في الحياة.

بعد أكثر من ستين عاماً، لا تزال نوال تدخل المطبخ بالشغف نفسه الذي رافقها وهي طفلة تقف إلى جانب والدتها. وتؤمن بأن النجاح لا تصنعه الموهبة وحدها، بل الالتزام والإخلاص والعمل من القلب. وتختم بابتسامة تشبه رحلتها الطويلة: "إذا وضعت محبتك في الطبخة، سيشعر بها الناس قبل أن يتذوقوها".
نبض