باتريك عبدو من لبنان إلى العالم بحثاً عن مواهب تستحق أن تُسمع (فيديو)
لم تعد الموسيقى بالنسبة إلى باتريك عبدو مجرّد إيقاعات تُعزف أو مقطوعات تُؤدّى، بل أصبحت جسراً يعبر به الحدود بحثاً عن مواهب تستحق أن تصل إلى الجمهور. من لبنان، انطلقت رحلته إلى العالم، حاملاً شغفه بالموسيقى، وكاميرته التي توثّق لحظات استثنائية مع موسيقيين وفنانين، قد لا يعرفهم كثيرون، لكنهم يمتلكون ما يكفي من الموهبة ليكونوا تحت الأضواء.
في حديث إلى "النهار"، يروي عبدو كيف تحوّل مساره، الذي بدأ قبل 15 عاماً مع الموسيقى، إلى تجربة عالمية تتقاطع فيها صناعة المحتوى مع اكتشاف المواهب، وكيف أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مساحة تتجاوز حدود الشهرة لتمنحه فرصة إحداث فرق حقيقي في حياة فنانين.
باتريك عبدو: "أنا لست مجرّد ترند"
لا يحبّ باتريك عبدو أن يختصر تجربته بكلمة "ترند"، فخلف الانتشار الواسع الذي تحققه فيديواته سنوات من الدراسة والعمل والتجربة. يقول إن الطاقة التي يظهر بها اليوم ليست وليدة اللحظة، بل حصيلة 15 عاماً من التعلّم والممارسة، فيما جاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتكمل مساراً مهنياً بدأه قبل أن تصبح هذه المنصات جزءاً أساسياً من حياته.
ويؤكد أن ما يشاهده الجمهور لا يتجاوز جزءاً صغيراً من العمل الذي يجري خلف الكواليس، مشيراً إلى أن المشاريع التي ينفّذها مع أخيه تحتاج إلى تحضير وتنسيق وجهد كبيرين، حتى عندما تبدو النتيجة النهائية عفوية وبسيطة.
ولا ينفصل هذا المسار عن العائلة، التي يصفها بأنها الركيزة الأساسية في رحلته. فإلى جانب دعم والديه منذ البدايات، يشكّل شقيقه شريكاً أساسياً في إدارة العمل ومواجهة ضغوطه ومواصلة تطويره.
باتريك عبدو من لبنان إلى العالم... والموسيقى تجمع الثقافات
بين لبنان ودبي وأوروبا والولايات المتحدة، تتنقّل تجربة عبدو مع الموسيقى والمواهب. وهو لا ينظر إلى السفر بوصفه انتقالاً من بلد إلى آخر فحسب، بل فرصة للتعرّف إلى ثقافات مختلفة وفهم طرق تفكير الناس وأساليب عملهم.
ويشير إلى أن النجاح على المستوى العالمي يتطلب إدراك الاختلافات بين المجتمعات، والقدرة على وضع الذات مكان الآخر، بما يتيح بناء علاقات مهنية وإنسانية أكثر فاعلية.
وفي موازاة هذه الرحلات، يواصل العمل في مجال تعليم الموسيقى مع شقيقه، من خلال مركز (Maestro Music Center) في لبنان و(The Music Path) في دبي، إلى جانب العمل على افتتاح فرع جديد في لبنان.
ويشرح أن تطوير برامج تعليمية خاصة وكتب موسيقية شكّل جزءاً أساسياً من مسيرتهما، إذ لا يقتصر العمل على تعليم العزف، بل يمتد إلى إعداد مناهج واختبار نتائجها وتطويرها، بما يضمن للطلاب تجربة تعليمية مبنية على الممارسة والتقييم.

فيديو واحد قد يغيّر حياة فنان
لكن المحطة التي تركت أثراً عميقاً في تجربة عبدو جاءت من خلال لقاءاته مع موسيقيين لم تتح لهم فرص الوصول إلى الجمهور. يستعيد، في هذا السياق، رحلة إلى إسبانيا اضطر خلالها إلى السفر عبر البرتغال، ثم قطع نحو 350 كيلومتراً بالسيارة للوصول إلى شاب موهوب يعيش في منطقة بعيدة.
لم تكن المسافة والظروف الصعبة عائقاً أمامه، إذ رأى في ذلك الشاب موهبة تستحق أن تُكتشف. وبعد نشر الفيديو الذي جمعهما، حصد الأخير أكثر من 200 ألف متابع خلال أقل من أسبوع، فيما تجاوزت مشاهدات الفيديو 80 مليوناً على إحدى المنصات، وفق ما يروي عبدو.
كانت التجربة نقطة تحوّل في نظرته إلى عمله. فقد أدرك أن ما يفعله يمكن أن يتجاوز صناعة المحتوى إلى تغيير مسار حياة أشخاص يمتلكون الموهبة، لكنهم يفتقرون إلى الوسيلة التي توصلهم إلى الجمهور.
من هنا، بدأت تتبلور رسالته التي ترتكز على البحث عن موسيقيين وفنانين حول العالم، وتسليط الضوء على أعمالهم، ومساعدتهم على الحصول على فرصة في فضاء رقمي يتنافس فيه مليارات المستخدمين على جذب الانتباه.
600 مليون مشاهدة شهرياً... ومسؤولية أكبر
يقول عبدو إن منصاته حققت، خلال الأشهر الستة الأخيرة التي يتحدث عنها، أكثر من 600 مليون مشاهدة شهرياً. غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تعني بالنسبة إليه الاحتفاء بالانتشار وحده، بل تفرض مسؤولية أكبر.
فكلما اتسع الجمهور، ارتفع سقف التوقعات، وأصبح عليه أن يطوّر محتواه، ويوسّع دائرة المواهب التي يعمل معها، ويواصل التعلّم من التجارب التي يخوضها في بلدان مختلفة.
ويؤدي فريق العمل دوراً محورياً في هذه العملية، من اكتشاف المواهب والتنسيق معها إلى تنظيم السفر ومواعيد التصوير. فخلف الفيديو الذي قد لا تتجاوز مدته دقائق، شبكة من التفاصيل والتحضيرات التي لا تظهر للمشاهد، لكنها تصنع الفارق في النتيجة النهائية.
ويلفت إلى أن تفاعل الجمهور لا يرتبط بالأرقام وحدها، بل بقدرته على الشعور بصدق التجربة. فهناك من يتابع المحتوى رغبةً في تعليم أطفاله الموسيقى، وهناك من يجد فيه نافذة لاكتشاف فنانين جدد، فيما يرى آخرون في الرحلات واللقاءات مصدر إلهام لخوض تجارب مختلفة.
باتريك عبدو عن مسيرته: "كل شيء يحدث في وقته"
لا ينكر عبدو أن الطريق لم يكن دائماً سهلاً، ولا يدّعي أنه يعرف مسبقاً كل ما ينتظره. فقد اعتاد في مراحل سابقة وضع خطط تمتد لسنوات، قبل أن يدرك أن الظروف قد تتغير خلال يوم واحد، وأن بعض الفرص لا يمكن التنبؤ به.
لذلك، يركّز اليوم على أهداف قصيرة ومتوسطة المدى، تمتد من شهر إلى ستة أشهر أو سنة، مع إبقاء المجال مفتوحاً أمام المستجدات التي قد تغيّر اتجاه الرحلة.
ويؤمن بأن توقيت الأحداث يؤدي دوراً أساسياً في حياة الإنسان، وأن بعض الفرص يأتي عندما يكون مستعداً لها. كما يرى أن الإيمان بالنفس ضروري، خصوصاً عندما لا تسير الأمور وفق التوقعات أو حين يشكّك الآخرون في الخيارات التي يتخذها المرء.
وبالنسبة إليه، لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي نقطة البداية، بل أداة أتاحت له توسيع أثر عمله، وتحويل شغفه بالموسيقى إلى مساحة يلتقي فيها الفنانون والجمهور، وتُمنح فيها المواهب التي بقيت بعيداً من الأضواء فرصة للظهور.
بين الموسيقى وصناعة المحتوى، وبين الأرقام العالية واللقاءات الإنسانية، لا تبدو رحلة باتريك عبدو مجرّد قصة انتشار رقمي، بل محاولة لتحويل الظهور إلى فرصة، والشهرة إلى وسيلة لفتح الأبواب أمام آخرين. فبالنسبة إليه، لا تكتمل الحكاية عندما يشاهده ملايين الأشخاص، بل عندما يصل أحد هؤلاء الفنانين إلى الجمهور الذي يستحقه.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
توقيف غامض ونقل إلى سوريا وروايات متناقضة تضع الدولة أمام مسؤولية كشف ما جرى، وسط مخاوف أمنية وديبلوماسية.
نبض