عن أغنية مارسيل خليفة التي أرعبت أطفال غزة!
علي حمدان
لم يعلم مارسيل خليفة، حين غنّى عام 1980 عن طفلٍ صغير يلهو في حارته ويبحث عن خيوطٍ ليطير طائرته الورقية، أن تلك الصورة البريئة ستعود بعد أكثر من أربعة عقود، ولكن هذه المرة من سماء غزة.
في أغنية "الطفل والطيارة"، يقف الطفل أمام مشهدٍ يتجاوز خياله: طائرةٌ حربية في السماء، أكبر من بيت الجيران، تقتحم عالمه الصغير وتحوّل لعبةً بسيطة إلى مواجهة مع الخوف. طائرة ورقية يحاول طفل أن يرفعها إلى السماء، وطائرة حربية تأتي من السماء نفسها، لكن محمّلة بالرعب والموت. ومن هنا تكمن المفارقة التي أراد مارسيل أن يتركها في الأغنية: كيف يمكن لطفل أن يفهم لماذا أصبحت السماء، التي يفترض أن تكون مساحة للعب والحلم، مصدراً للخوف؟
في عام 1980، كانت الطائرة الورقية في أغنية مارسيل خليفة صورةً لطفولةٍ تحاول أن تحلّق رغم الحرب. لم تكن الطائرة الورقية سلاحاً، ولم تكن تملك سوى خيطٍ وورقٍ وبعض الهواء. لكنها كانت تحمل شيئاً أكبر: رغبة طفل في أن يرفع عينيه إلى السماء من دون أن يخاف.

واليوم، في غزة، تبدو الصورة كأنها خرجت من كلمات الأغنية إلى الواقع. طفلٌ يطير طائرته الورقية في سماءٍ لم تعد تتّسع لأحلامه، بينما تحلّق فوقه طائراتٌ حقيقية. والمفارقة الأقسى أن الطفل لم يتغيّر، والطائرة الورقية لم تتغيّر، لكن السماء نفسها أصبحت أكثر قسوة.
الأكثر وجعاً أن طائرة مارسيل في الأغنية كانت، بحسب وصفه، أعلى من كل الأصوات؛ كانت رمزاً للحرب التي تطغى على صوت الطفل. أما اليوم، فالمشهد في غزة يبدو أكثر قسوة: صوت الطائرات لم يعد وحده الأعلى. هناك أصوات الأطفال، وأصوات القصف، وأصوات البيوت التي تنهار، وأصوات الناس الذين يحاولون أن يبقوا أحياء وسط كل هذا الخراب.
وكأن أغنية كُتبت قبل عقود لم تعد تحكي عن زمنٍ مضى، بل عن حاضرٍ لم يتعلّم كيف يترك الأطفال وشأنهم. طفلٌ يريد أن يطيّر طائرة ورقية، فيجد طائرةً حربيةً في السماء. طفلٌ يبحث عن خيطٍ يمسك به حلمه، بينما يحاول العالم من حوله أن يقطع كل الخيوط التي تربطه بالحياة.
ربما لم يكن مارسيل خليفة يعرف أن طائرته الورقية ستعود يوماً إلى سماء غزة. لكنه، في تلك الأغنية، لم يكن يغني عن طائرة ورقية فقط؛ كان يغني عن حق الطفل في أن يحلم، وأن يلعب، وأن ينظر إلى السماء من دون أن ينتظر منها الموت.
واليوم، حين ترتفع طائرة ورقية صغيرة فوق غزة، فإنها لا تبدو مجرد لعبة طفل. تبدو كأنها إجابة صغيرة جداً، لكنها شديدة الوضوح، على كل ما يحدث حولها: أن الطفل، رغم كل شيء، يريد أن تبقى السماء مكاناً للحلم.
نبض