القيّمة الفنّية سارة المطلق لـ"النهار": معرض "خيال حتمي" يكشف كيف ترى العالم
حين ننظر إلى الخريطة، نبحث عادةً عن الطريق والمكان والحدود. نثق بخطوطها لأنها تبدو كأنها تقدّم لنا صورة واضحة ومحايدة عن العالم. لكن ماذا لو كانت الخريطة تحمل أكثر مما نراه فيها؟ ماذا لو كانت الخطوط والرموز والمساحات المرسومة عليها تعكس أيضاً الطريقة التي اختار بها الإنسان أن يرى العالم ويفهمه؟
من هذه الفكرة ينطلق معرض "خيال حتمي" (A Necessary Fiction: Art, Maps and the Models of Our World) في البندقية، في محاولة لقراءة الخرائط بعيداً من وظيفتها الجغرافية المباشرة. وينظّم المعرض وزارة الثقافة السعودية بالتزامن مع مشاركة المملكة العربية السعودية في بينالي البندقية 2026، في حوار يجمع بين خرائط تاريخية رسمت صوراً مختلفة للأماكن، وأعمال فنية معاصرة تعيد التفكير في الحدود والمكان والهوية. وهنا لا يعود السؤال فقط: ماذا تُظهر الخريطة؟ بل أيضاً: من رسمها؟ ولماذا؟ وأيّ صورة عن العالم أراد أن يقدّمها؟

في حديث خاص لـ"النهار"، تشرح القيّمة الفنية والمهندسة المعمارية السعودية سارة المطلق الفكرة التي تقف خلف المعرض، وتقول إن المفهوم الأساسي ينطلق من التساؤل حول "الطريقة التي تشكّل بها الخرائط فهمنا للعالم". ومن هنا، لا يتعامل المعرض مع رسم الخرائط العلمي ورسم الخرائط الفنّي بوصفهما مجالين منفصلين، بل يحاول النظر إلى ما يجمعهما: الأفكار والتصوّرات ووجهات النظر التي تقف خلف الخطوط.
وهنا تحديداً تتحول الخريطة إلى عمل بصري. فحين نتجاوز وظيفتها في تحديد المواقع، وننظر إلى القيم والخيالات ووجهات النظر الكامنة وراء خطوطها ورموزها وبنيتها، تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعنى والمعرفة، تماماً كما يفعل العمل الفني.
عندما يصبح المكان نفسه جزءاً من الحكاية
في دير أبازيا سان غريغوريو التاريخية في البندقية، حيث يقام المعرض، من 6 مايو/أيار إلى 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، لا تأتي الأعمال منفصلة عن المكان الذي يحتضنها. فالتجربة مبنيّة كرحلة عبر الزمن، ينتقل خلالها الزائر بين مراحل مختلفة من تاريخ رسم الخرائط، فيما تصبح عمارة الأبازيا جزءاً من السرد نفسه.
تصف المطلق هذه الرحلة بأنها أقرب إلى قصة لها شخصيات ومسارات وسرديات تتطوّر مع الوقت. وفي الطابق الأرضي، تؤدي الأعمال الفنية الخاصة بالموقع دور "معالم" تستحضر الطرق التي اعتمد عليها الإنسان في التنقل وفهم العالم قبل الخرائط الحديثة. ثم، مع الصعود إلى الطوابق الأعلى، يظهر تدريجاً السعي إلى الدقة العلمية، وتتغير معه الطريقة التي تُرسم بها صورة العالم.

ما الذي يمكن أن تقوله خريطة عمرها مئات السنين؟
ربما تكمن صعوبة المعرض الأكبر في اتساع المسافة الزمنية التي يحاول عبورها. فالأعمال تمتد من القرن الأول الميلادي حتى اليوم، ما يعني الانتقال بين عصور وثقافات وتخصصات مختلفة، والبحث عن روابط تسمح بوضعها في حوار واحد.
وتوضح المطلق أن الهدف لم يكن تقديم تاريخ خطّي لرسم الخرائط، بل خلق حوار بين القطع التاريخية والأعمال المعاصرة، للكشف عن الطريقة التي استخدم بها الإنسان الخرائط والنماذج والأنظمة البصرية، عبر العصور، لفهم العالم من حوله وتمثيله.

"Arabia Deserta"... عندما ترسم الخريطة صورة المكان
ومن أبرز الجوانب التي تتوقف عندها المطلق في المعرض، صورة شبه الجزيرة العربية كما ظهرت في الخرائط التاريخية. وتوضح أن البحث الذي أجراه فريق المعرض، بالاستناد إلى أرشيفات دولية من بينها مكتبتا بودليان ولايدن، أظهر كيف صُوّرت شبه الجزيرة العربية تاريخياً تحت تسمية "Arabia Deserta"، وهي سردية تعود إلى الجغرافيا لبطليموس في القرن الثاني الميلادي.
وفي المقابل، تشير المطلق إلى أن نتائج الأبحاث في عدد من المكتبات والمتاحف في الخليج، من بينها المتحف الوطني السعودي ومكتبة الملك عبد العزيز ومكتبة قطر الوطنية، قدّمت صورة مختلفة عن هذه الرواية. وتستند هذه القراءة إلى قطع أثرية من شبه الجزيرة العربية ارتبطت بطرق التجارة والحج، من بينها طريق البخور وطريق الحج ودرب زبيدة، بما يعكس حجم الحركة والتبادل الذي شهدته المنطقة عبر التاريخ.
نبض