وائل كفوري... عريس المسرح في ليلة ثانية من الذّكريات
لم تكن البزّة البيضاء مجرد اختيار في خزانة وائل كفوري، بل بدت كأنها الرسالة الأولى التي أراد أن يقولها قبل أن يغني.
اعتدناه لسنوات طويلة بالرجل الكلاسيكي. بزّة سوداء أنيقة، ربطة عنق محكمة، حضور يشبه عبق نجوم الزمن الجميل. حتى أنا، وأنا أتجه إلى "فوروم دو بيروت" في الثاني من آب، كنت أتوقّع أن أراه بالصورة نفسها التي حفظتها منذ المراهقة، يوم كانت أغلفة ألبوماته بالنسبة إلينا حدثاً يستحق الانتظار.
لكن عندما أُطفئت الأضواء، خرج وائل كفوري بالأبيض.

لم يكن الأبيض لوناً عابراً. بدا كأنه اختار أن يكون عريس السهرة، فيما كان الجمهور كله المدعو إلى هذا العرس. عرس ثلاثين عاماً من الأغنيات، ومن الذكريات، ومن علاقة لم تنقطع بين فنان وجمهوره.
ربما لهذا السبب لم أشعر أنني أحضر حفلاً للمرة الأولى، رغم أنني أمضيت سنوات طويلة في الصحافة الفنية من دون أن ألتقيه على المسرح. كان الشعور مألوفاً بصورة غريبة، وكأن هذا الصوت سبق أن رافق كل المراحل المهمة في حياتنا من دون أن ننتبه.
ولهذا أيضاً، لم أترك زحمة بيروت تفسد الموعد. اخترت الوصول على متن دراجة نارية، وأنا في شهري الثامن من الحمل، لأن فكرة تفويت الحفل كانت تبدو أكثر جنوناً من المغامرة نفسها.

سر وائل كفوري
الهتافات سبقت الفرقة الموسيقية. وما إن ظهرت ملامح وائل على المسرح حتى وقف الآلاف لتحيته. لم يحتج إلى افتتاحية طويلة، ولا إلى مؤثرات بصرية تسرق الانتباه. ابتسامته وحدها كانت كافية، كأنها تقول: "اشتقت لكم".
في تلك اللحظة، فهمت أن سر وائل كفوري لا يبدأ عندما يغني، بل عندما يصعد إلى المسرح.
يمشي بثقة من يعرف أن جمهوره جاء من أجله، لا من أجل الاستعراض. يبتسم كثيراً، يرقص أكثر مما اعتدناه، ويتحرك بخفة تكشف حجم الراحة التي يعيشها اليوم. بدا متصالحاً مع نفسه، ومع عمره الفني، ومع كل ما بناه خلال أكثر من ثلاثين عاماً.
حتى حرارة آب/أغسطس لم تستطع أن تخفي ذلك. كانت البزة البيضاء تتأثر بحرارة المسرح، فيما ظل صاحبها يحتفظ بخفة الحركة نفسها. وكأن التعب أصاب القماش، لا الرجل.
المفارقة أن الحفل لم يكن يقوم على عنصر المفاجأة. الجمهور كان يعرف الأغنيات كلها، ويحفظ ترتيب المشاعر أكثر مما يحفظ ترتيب الوصلة.
في أكثر من محطة، كان وائل يبتعد عن الميكروفون تاركاً آلاف الأصوات تكمل عنه. غنى "كلنا مننجر"، و"سألوني"، و"لو حبنا غلطة" وصولاً إلى جديده "سارقلي عمري" و"شو مشتقلي" بينما كانت القاعة تتحول إلى جوقة واحدة. لم يكن يغني وحده، بل كان يستمع أيضاً، وربما كانت تلك أجمل لحظات الأمسية.
حتى أفراد الفرقة الموسيقية بدوا كأنهم يعيشون الحفل قبل أن يعزفوه. كانوا يرددون الكلمات، يبتسمون، ويتفاعلون مع الجمهور. عندما تصبح الفرقة جزءاً من الجمهور، تعرف أن الحفل تجاوز فكرة الأداء إلى حالة جماعية من الفرح.

حين يتكلّم الموال... يصمت كل شيء
ليس الموال مجرد استراحة بين الأغنيات عند وائل كفوري، بل لحظة يعود فيها إلى جذوره. هناك، يختفي الإيقاع وتبقى الحنجرة وحدها في مواجهة الجمهور. صوّرتُ بهاتفي موالين. كنت أريد أن أسمع تلك الخامة الذهبية من دون أي زينة موسيقية. في تلك اللحظة، أدركت أن سر وائل لا يكمن في الأغنيات التي حققت ملايين المشاهدات، بل في صوته العاري، حين يترك للموال أن يكشف معدن الحنجرة. هناك، لا تستطيع التقنية أن تتدخل، ولا المؤثرات أن تخفي شيئاً. وحده الصوت يقرر، ووحده الإحساس ينتصر.
وائل الإنسان... راحة تشبه المصالحة
ثم كان هناك وائل الإنسان.
حضور والديه وزوجته شانا عبود في الليلة الأولى، ثم ابنته في الليلة الثانية، لم يكن مجرد تفصيل عائلي. بدا الأمر كأنه صفحة جديدة في شخصية الفنان الذي لطالما أبقى حياته الخاصة بعيدة عن الأضواء. اليوم لم يعد يخشى أن يراها الناس، لأنه لم يعد مضطراً إلى الفصل بين وائل النجم ووائل الإنسان.
ربما لهذا بدا أكثر خفة، وأكثر صدقاً، وأكثر راحة.

وفي ختام الحفل، عندما أعلن في الليلة الأولى موعد عودته إلى بيروت في 31 تموز و1 آب/أغسطس 2027، لم يكن يبيع حفلاً جديداً، بل كان يجدّد موعداً مع جمهور يعرف أنه سيعود إليه كما يعود المرء إلى منزله.
خرجت من "فوروم دو بيروت" وأنا أفكّر أن الأبيض كان فعلاً اللون المناسب لهذه الليلة... لم يكن لون بزّة فقط. كان لون بداية جديدة لفنان لم يعد يحتاج إلى أن يثبت أنه نجم، بل يكتفي بأن يظل وائل كفوري... الرجل الذي جعل ثلاثين عاماً من الأغنيات تبدو كأنها أغنية واحدة طويلة، ما زلنا جميعاً نحفظ كلماتها.
نبض